الصفحة 44 من 122

والحث على التخلق, وذم العنف, وأن الرفق سبب كل خير. ومعنى يعطي على الرفق: أي يثيب عليه ما لا يثيب على غيره. وقال القاضي: معناه يتأتى به من الأغراض, ويسهل من المطالب ما لا يتأتى بغيره. [1]

مواقف من سيرته صلى الله عليه وسلم:

إن النصوص السابقة لا تستمد أثرها إلا إذا كان هناك من طبقّها بالفعل. والآن نحاول النظر في سيرته صلى الله عليه وسلم:

سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أخلاق النبي صلى الله عيه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن. [2] ومعنى ذلك أنه كان يطبق كل أوامر القرآن ونواهيه، ويعمل بكل أحكامه ووعده ووعيده. فهكذا يكون خلق المرء القرآن.

وفي الصحيحين أن أعرابيا جذب رداء النبي صلى الله عليه وسلم حتى أثرت حاشيته في عاتقه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا محمد، مُر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء. [3]

وكان إذا آذاه قومه قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. [4]

كما كان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الحديبية من أعظم مواقف القادة وهم يتعاملون مع أفراد الجيش. فتحمّل الرسول صلى الله عليه وسلم بصدر رحب كل المناقشات الفظة التي طرحها عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وضرب بذلك أعظم الأمثلة في الحلم، وتعلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيدا من هذا الموقف حين أصبح خليفة، فكان يتعامل مع الناس من نفس هذا المنطلق. [5]

وعن أبي سعيد الخدري، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دينا كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال له: أُحرّج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك! تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا مع صاحب الحق كنتم؟ ثم أرسل إلى خولة بنت قيس، فقال لها: إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيك. فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله! قال: فأقرضته، فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال:

(1) صحيح مسلم بشرح النووي: 8/ 391.

(2) صحيح. صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني، 4811.

(3) متفق عليه. صحيح البخاري: (3149) ، و (5809) ، و (6088) . وصحيح مسلم: (1057) .

(4) متفق عليه. صحيح البخاري: (3477) ، و (6929) . وصحيح مسلم: (1792) .

(5) راجع تفاصيل هذه القصة في صحيح البخاري: (2734) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت