تحدثه جُل هذه الرحلات من تشكيك في عقيدة المرتحلين. وإلا فاعدد لي بربك عشر شخصيات قد ارتحلت في طلب العلم ثم عادت إلى بلدانها فحققت فيها الطفرات التي أقامت هذه البلدان من عثرتها، ونحت بها نحو طريق التقدم والازدهار.
وهاك مَثل لما فعله أحد الكافرين، حتى نعتبر ونتعظ. فهذا الرجل تحرك من أجل بلده، دون أن يضع الله في حسبانه. فما بالك لو صلحت نوايانا نحن، ووضعنا الله في اعتبارنا عند قيامنا بأي عمل. وقد وردت هذه القصة في كتاب الهمة طريق إلى القمة، (ص: 32 - 38) : أرسلت الدولة اليابانية في بدء حضارتها بعوثا دراسية إلى ألمانيا كما بعثت الأمة العربية بعوثا، ورجعت بعوث اليابان لتحضَّر أمتها، ورجعت بعوثنا خاوية الوفاض!! فما هو السر؟ لنقرأ هذه القصة حتى نتعرف على الإجابة:
يقول الطالب الياباني"أوساهير"الذي بعثته حكومته للدراسة في ألمانيا: لو أنني اتبعت نصائح أستاذي الألماني الذي ذهبت لأدرس عليه في جامعة هامبورج لما وصلت إلى شيء، كانت حكومتي قد أرسلتني لأدرس أصول الميكانيكا العلمية، كنت أحلم بأن أتعلم، كيف أصنع محركا صغيرا؟ كنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى"موديل"هو أساس الصناعة كلها، فإذا عرفت كيف تصنع، وضعت يدك على سر هذه الصناعة كلها.
وبدلا من أن يأخذ الأساتذة أوساهير إلى معمل، أو مركز تدريب عملي، أخذوا يعطونه كتبا ليقرأها. ويقول أوساهير: قرأت حتى عرفت نظريات الميكانيكا كلها، ولكنني ظللت أمام المحرك، أيا كانت قوته، وكأنني أقف أمام لغز لا يُحل. وفي ذات يوم، قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع، كان ذلك أول الشهر، وكان معي راتبي. وجدت في المعرض محركا قوة حصانين ثمنه يعادل مرتبي كله، فأخرجت الراتب ودفعته، وحملت المحرك، وكان ثقيلا جدا. وذهبت إلى حجرتي، ووضعته على المنضدة، وجعلت أنظر إليه، كأنني أنظر إلى تاج من الجوهر. وقلت لنفسي: هذا هو سر قوة أوربا، لو استطعت أن أصنع محركا كهذا لغيرت تاريخ اليابان.
وطاف بذهن أوساهير خاطر يقول: إن هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال وطبائع شتى، مغناطيس كحذوة حصان، وأسلاك، وأذرع رافعة، وعجلات، وتروس، وما إلى ذلك. وقال لنفسه: لو أنني استطعت أن أفكك قطع هذا المحرك وأعيد تركيبها بالطريقة نفسها التي ركبوها بها، ثم شغّلته فاشتغل، أكون قد خطوت خطوة نحو سر"موديل"الصناعة الأوربية. وبحثت في رفوف الكتب التي عندي، حتى عثرت على الرسوم الخاصة بالمحركات، وأخذت ورقا كثيرا، وأتيت بصندوق أدوات العمل، ومضيت أعمل.
ويقول أوساهير: رسمت المحرك، بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمل أجزاءه، ثم جعلت أفككه، قطعة قطعة. وكلما فككت قطعة رسمتها على الورقة بغاية الدقة، وأعطيتها رقما. وشيئا