فشيئا فككته كله، ثم أعدت تركيبه، وشغلته فاشتغل. كاد قلبي يقف من الفرح. استغرقت العملية ثلاثة أيام، كنت آكل في اليوم وجبة واحدة، ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل.
وحمل أوساهير النبأ إلى رئيس البعثة، فقال له: حسنا ما فعلت، الآن لابد أن أختبرك. سآتيك بمحرك متعطل، وعليك أن تفككه، وتكشف موضع الخطأ وتصححه، وتجعل هذا المحرك العاطل يعمل. يقول أوساهير: وكلفتني هذه العملية عشرة أيام، عرفت أثناءها مواضع الخلل، فقد كانت ثلاث من قطع المحرك بالية متآكلة، صنعت غيرها بيدي، صنعتها بالمطرقة والمبرد.
بعد ذلك قال رئيس البعثة، الذي كان يتولى قيادة أوساهير روحيا، قال: عليك الآن أن تصنع القطع بنفسك، ثم تركبها محركا. قال أوساهير: ولكي أستطيع أن أفعل ذلك التحقت بمصانع صهر الحديد، وصهر النحاس، وصهر الألومونيوم، بدلا من أن أعد رسالة الدكتوراه كما أراد مني أساتذتي الألمان. تحولت إلى عامل ألبس بذلة زرقاء وأقف صاغرا إلى جانب عامل صهر المعادن، كنت أطيع أوامره كأنه سيد عظيم، حتى كنت أخدمه وقت الأكل، مع أنني من أسرة ساموراي. ولكنني كنت أخدم اليابان، وفي سبيل اليابان يهون كل شيء!! قضيت في هذه الدراسات والتدريبات ثماني سنوات، كنت أعمل خلالها ما بين عشر وخمس عشرة ساعة في اليوم، وبعد انتهاء العمل كنت آخذ نوبة حراسة، وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعة.
وعلم"الميكادو"- الحاكم الياباني - بأمر أوساهير، فأرسل له من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه ذهب إنجليزي، اشترى بها أدوات مصنع محركات كاملة، وأدوات وآلات. ويقول أوساهير: وعندما أردت شحنها إلى اليابان، كانت النقود قد فرغت، فوضعت راتبي وكل ما ادخرته. وعندما وصلت إلى نجازاكي، قيل لي إن الميكادو يريد أن يراني. قلت: لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشئ مصنع محركات كامل. استغرق ذلك تسع سنوات.
وفي يوم من الأيام حملت مع مساعدي عشرة محركات"صُنع في اليابان"، قطعة قطعة، حملناها إلى القصر. ودخل الميكادو وانحنينا نحييه وابتسم، وقال: هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي، صوت محركات يابانية خالصة. هكذا ملكنا"الموديل"، وهو سر قوة الغرب، نقلناه إلى اليابان! نقلنا قوة أوربا إلى اليابان، ونقلنا اليابان إلى الغرب!! فهكذا أدى إصرار أوساهير وحرصه على بلده إلى وضع اليابان على عتبة التقدم والازدهار.
وحدّث من عايش الطلاب اليابانيين الذين يُبتعثون إلى أمريكا عن أحوالهم، فقال: ربما يلبثون في مكتبة الجامعة إلى نصف الليل، وربما نام أحدهم وهو جالس على كرسيه، ويواصل الدراسة في اليوم الثاني من غير ذهاب إلى البيت.] علو الهمة، ص: 295 [. فانظر رحمك