الصفحة 73 من 122

والحديث بهذا السياق من الأحاديث التي وقع خطأ في فهمها لدى كثير من الناس الذين ابتلوا بالأهواء والبدع، إذ أصبح يمثل السند الشرعي لكل من أراد أن يُدخل في الدين ما ليس فيه. فالسنة الحسنة ليست بدعة في الدين، وليست أمرا محدثا في الإسلام، وليست إضافة على السنة، أو اختراعا في العبادة، ولا فيما لا يَمُت للدين بصلة. [1] ولعل الرواية التي ساقها مسلم والنسائي تفسر لنا سياق الحديث حتى لا نخطئ فهمه:

فعن جرير رضي الله عنه، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه قوم عراة مجتابي النمار، أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر - فتمعر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا، فأذن وأقام فصلى، ثم خطب، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} ] النساء: 1 [. والآية التي في الحشر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ] الحشر: 18 [. تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة.

قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرة، كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت. قال: ثم تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تهلل كأنه مُدْهنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام .... الحديث.

قال النووي [2] : قوله: (النمار) : ثياب صوف, و (العباء) : جمع عباءة. وقوله: (مجتابي النمار) : أي: خرقوها وقوروا وسطها. قوله: (فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم) : أي: تغير. وقوله (مذهبة) ضبطوه بوجهين: أحدهما: (مذهبة) [3] : أي: فضة مذهبة, فهو أبلغ في حسن الوجه وإشراقه, والثاني: شبهه في حسنه ونوره بالمذهبة من الجلود, وجمعها مذاهب, وهي شيء كانت العرب تصنعه من جلود, وتجعل فيها خطوطا مذهبة يرى بعضها أثر البعض. والثاني: (مدهنة) : المدهن: الإناء الذي يدهن فيه, وهو أيضا اسم للنقرة

(1) د/ عمر عبد العزيز، أحاديث مقلوبة بين تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، ص: 37.

(2) شرح النووي على صحيح مسلم: 4/ 112 - 113.

(3) قال السيوطي في حاشيته على سنن النسائي (5/ 79) : (كأنه مذهبة) : قال في النهاية: فإن صحت الرواية، فهو من الشيء المذهب، وهو المموه بالذهب، ومن قولهم: فرس مذهب، إذا علت حمرته صفرة، والأنثى مذهبة. وإنما خص الأنثى بالذكر، لأنها أصفى لونا وأرق بشرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت