فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 65

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد

فلقد حظيت (كلا) باعتبارها أداة للردع والرد على ما سبقها من سياقات، وباعتبارها أداة تنبيه واستقبال لما هو آت منها .. باهتمام جل النحاة وأهل اللغة فهي كما ألمحتُ لا يخلو منها كلام ولا يستغنى عنها بحال .. لكن العجيب أنها لم تحظ باهتمام أهل البيان ولم تشغل مع غيرها من حروف المعاني حيز تفكيرهم اللهم إلا لمامًا في بعض المباحث الوثيقة الصلة بمتعلقات الفعل، وحتى هذه لم يتطرق البلاغيون في مباحثهم المتصلة بتلك المتعلقات للحديث عن (كلا) من قريب ولا بعيد.

ونحن لو تتبعنا مدى ما لهذه الكلمة من دور في ثنايا الكلام وأعطافه لوجدنا أنها من الناحية البيانية من الأهمية بمكان .. فهي كما سيتضح من خلال هذه الدراسة تتسع لكثير من المقامات التي لا يجمل السياق ولا يتم على أكمل وجه إلا بها، وهي لكونها للردع والزجر في الأصل والأساس فقد اقتضى الحال أن تجئ في القرآن المكي، وفي ذلك مراعاة لحال المخاطبين وما يتناسب مع طبيعتهم وغطرستهم حيث الألفاظ القوية التي تقرع أسماعهم وتصخ آذانهم وتملأ قلوبهم خوفًا من الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وتلك خصيصة من خصائها.

ناهيك عما تحمله هذه الأداة من إيجاز فهي كلمة تحمل المعاني الكثيرة، وتثير الدلالات العديدة التي تذهب فيها النفس كل مذهب، وعلى أي الأحوال تقدر - في الأغلب الأعم- مع ما قبلها فتكون مؤكدة ومكررة لمضمون ما سبق، وهي إن عاد مضمونها الذي قد يمليه مقتضى الحال وقرينة السياق على ما بعدها تكون منبهة وممهدة لما يليها، وشديدة الصلة بما يسمى بيانيا بالاستئناف البياني بل هي من أعظم الأساليب المحققة له، وهي فضلًا عن كل ما ذكرنا شديدة الصلة بباب الفصل والوصل في مفهوم البلاغيين بل لا أبالغ إن قلت هي مصدر إلهامهم في تأصيل قواعد هذا الباب، إذ بالوقوف عليها - على ما سنرى- تفيد معنى وبوصلها بما بعدها تفيد آخر، وفي ذلك من إثراء اللغة واتساعها ما لا يخفى.

لأجل هذا وغيره طالتها العديد من الدراسات من نحو ما سطره في شأنها أبو الحسين أحمد بن فارس ت 395 هـ، وما دبجه أبو محمد مكي ابن أبي طالب ت 437 هـ، بله أن كلها دراسات أقل ما يقال فيها أنها مقصورة على مراعاة جوانب الوقف والابتداء فهي - من ثم - لا تعدو كونها دراسات في نطاق الأحكام العالقة بهذا الجانب من الدراسات القرآنية.

والأمر بهذا يحتاج إلى دراسة جادة تكشف عن المقامات التي يجمل الإتيان فيها بهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت