القول [1] وهذا يدعونا إلى القول جمعًا بين هذه المعاني التي يتحملها السياق ويدعو إليها مقتضى الحال، الوقف عليها حتى يتحقق معنى الزجر أو النفي، ثم البدء بها مع (قال) وتتمة القول حتى يتم المعنى ولا يكون ثمة فصل بين القول ومقول القول أو تتمته.
رابعًا: ما لا يحسن البدء فيه بـ (كلا) ولا الوقف فيه عليها
ولئن حسن الابتداء بـ (كلا) الأولى من سورة النبأ، والأولى والثالثة من سورة التكاثر لما ذكرنا من أوجه، وساغ الوقف عليها لأجله، فإن ما جاء عقب الأولى في السورتين معطوفة بـ (ثم) ، وهما قوله: (ثم كلا سوف تعلمون .. النبأ/5) وقوله (ثم كلا سوف تعلمون .. التكاثر/4) لا يحسن بحال الوقف عليها ولا البدء بها، أما عدم البدء بها فالوجه فيه أن حرف العطف لا يوقف عليه دون المعطوف، يقول مكي:"ولا يحسن الابتداء بها لأن قبلها حرف عطف وهو (ثم) ولا يوقف على حرف العطف دون المعطوف، والأحسن أن تقف على (سيعلمون) الآخر - أي التي قبلها- وتجعل الجملة الثانية وهي (ثم كلا سيعلمون) ، توكيدًا للجملة الأولى ومعطوفة عليها، ويجوز أن تقف على سيعلمون الأولى وتبتدئ (ثم كلا سيعلمون) على قول الضحاك، لأنه قال: (كلا سيعلمون) الأولى للكافرين، (ثم كلا سيعلمون) الثانية للمؤمنين، ولك أن تجعله تهددًا بعد تهدد ووعيدًا بعد وعيد، وفيه معنى التأكيد أيضًا، والاختيار أن تصل فلا تقف عليه" [2] .
والوجه في عدم إساغة الوقف على (كلا) في الموضعين"أنك كنت تنفي ما مضى من التهدد والوعيد وتنفي وقوع العلم منهم وذلك كفر، فإن جعلت (كلا) بمعنى (حقًا) وجعلتها تأكيدًا وتكريرًا لـ (كلا) الأولى لم يحسن الوقف عليها أيضًا لأن (سيعلمون) تكون أيضًا تأكيدًا وتكريرًا لـ (سيعلمون) الأولى ولا يفرق بين بعض التأكيد وبعض" [3] .
هكذا نجد أنفسنا أمام ضرب من أضرب الكلام يحمل في طياته ما يحمل من ثراء المعنى واتساع العبارة وتعدد الغرض، فأنت أينما وقفت أو ابتدأت تجد من أفانين القول ما يعجز اللبيب عن الإحاطة به.
(1) ينظر معالم الاهتداء ص 154.
(2) شرح (كلا) ص 49، 50.
(3) السابق ص 48، 49.