فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 65

والتكرير في (دكًا دكًا) يجوز أن يكون أولهما منصوبًا على المفعول المطلق المؤكد لفعله وقد قصد منه رفع احتمال المجاز عن (دكت) ، إذ كان حدوث ذلك أمرًا خارقًا للعادة فاقتضى المقام تأكيده لتحقيق وقوعه تحقيقًا ينفي عنه المجاز أو المبالغة، كما اقتضى تكريره و تأكيده تأكيدًا لفظيًا لزيادة تحقيق إرادة مدلول الدك الحقيقي، وإنما يمنع من تأكيد النكرات في غير هذا تأكيدًا لفظيًا, كون النكرة حكمًا لا محكومًا عليه كقوله صلوات الله عليه: (أيما امرأة نكحت نفسها من غير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل) ، وكون الثاني غير الأول كما في قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفًا صفًا) فهو من ثم لتكرير المعنى.

ونرمق فيما سبق من آيات سورتي النبأ والتكاثر من قول الله تعالى: (كلا سيعلمون. ثم كلا سيعلمون .. النبأ/4،5) ، وقوله: (كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون. كلا لو تعلمون علم اليقين .. التكاثر/3 - 5) ويلحق بهما ما جاء في سورة المدثر من قول الله تعالى: (كلا بل لا تخافون الآخرة. كلا إنها تذكرة .. المدثر/53،54) ، والمطففين من قول الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون .. المطففين/14، 15) ، والعلق من قول الله تعالى: (كلا لا تطعه .. العلق/19) بعد قوله: (كلا لئن لم ينته لنسفعًا بالناصية .. العلق/15) .. نرمق نبرة التأكيد والتقرير لما سبق من كلام، ومعلوم ما يحدثه تأكيد الكلام من ترسيخ المعنى في النفس ومن تثبيته، ونلحظ ذلك في كل ما سبق من آيات.

ففي سورة المدثر وبعد أن أضرب سبحانه عن ذكر بعض من أحوال وأقوال أهل الكفر من أمثال أبي جهل وعبد الله بن أبي أمية إبان قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن نؤمن لك حتى يأتي إلى كل رجل منا كتاب فيه: من الله إلى فلان بن فلان) ، وهو ما سجله سبحانه عليهم بقوله: (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة .. المدثر/52) ، جاءت الآية (كلا بل لا يخافون) لإبطال ظاهر كلامهم ولردعهم عما بدر منهم من أفانين التكذيب بالله وبقرآنه - على ما هو مفاد من (كلا) وما تلى ذلك من حرف الإضراب (بل) - ليكون المعنى ليس كل ما قالوه إلا تنصلًا وإصرارًا على الكفر، وأن لو أنزل الله عليهم كتابًا ما آمنوا وما تأتي لهم الخوف من عذاب الله يوم القيامة.

ثم يجيء النظم الكريم (كلا إنه تذكرة) ، ليكون بمثابة الردع المؤكد لما قبله والمقرر لحقيقة أمرهم فالضمير في قوله: (إنه تذكرة) للقرآن، والجملة تعليل للردع عن اقتراحهم الآيات وسؤالهم أن تنزل عليهم صحف منشرة وبيان بأن القرآن برهان وحجة، لمن يخاف وعيد الآخرة، وهو تذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ونكتة التنكير في (تذكرة) إرادة التعظيم، وقوله: (فمن شاء ذكره) تفريع على أنه تذكرة وتعريض في الوقت ذاته بالترغيب في التذكر، أي التذكر طوع إرادتكم فإن شئتم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت