فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 65

فمع مراعاة سبب النزول في مفاخرة بني عبد مناف وبني سهم بكثرة السادة منهم تكون الزيارة مستعملة في معناها الحقيقي ويكون قوله (حتى زرتم المقابر) غاية، أي ألهاكم التكاثر حتى وصل بكم الحال إلى عد القبور، وهذا الوجه يجمل معه حمل قراءة (أألهاكم التكاثر) كذا بالاستفهام التقريري عليه، والعرب يكنون بالقبر عن صاحبه، وعلى القول باحتمال أن يكون المعنى ألهاكم التكاثر حتى إذا صرتم إلى المقابر انقطعت أعمالكم وانقضت أعماركم، يكون المراد بزيارة المقابر الحلول فيها بالموت فيكون في فعل الزيارة تعريض بهم بأن حلولهم في القبور يعقبه خروج منها، والتعبير بالفعل الماضي (زرتم) لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لأنه محقق وقوعه مثل (أتى أمر الله .. النحل /1) وفي هذا من التوبيخ ما فيه، وقد أتبع هذا التوبيخ على التلهي بالتكاثر بالوعيد وبحرف الردع (كلا) ليفيد الزجر والإبطال لدعاوى الجاهلية هذه، وجاء التعبير بالفعل (تعلمون) مسبوقا بحرف التسويف ليفيد تحقيق العلم، والنكتة في حذف مفعوله ظهور أن المراد به: تعلمون سوء مغبة لهوكم بالتكاثر عن قبول دعوة الإسلام، فهو محذوف للعلم به [1] .

وما سبق أن ذكرناه في مقام التنبيه من أن قوله سبحانه في سورة الفجر: (كلا بل لا تكرمون اليتيم. ولا تحاضّون على طعام المسكين. وتأكلون التراث أكلًا لمًا. وتحبون المال حبًا جمًا .. الفجر/17 - 20) ، جاء ردعًا عن ظن الإنسان وادعائه أن ابتلاء الله له بالنعيم دليل إكرامه وأن العكس من ذلك صحيح، كما جاء انتقالًا من بيان سوء أقواله إلى بيان سوء أفعاله .. أعقبه فيما هو في صورة الردع أيضًا، قوله تعالى: (كلا إذا دكت الأرض دكًا دكًا. وجاء ربك والملك صفًا صفًا. وجئ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى .. الفجر/21 - 23) ، فقد جاءت (كلاّ) ردعًا لهم عن الأعمال المعدودة قبله، وقوله: (إذا دكت الأرض دكا دكا) إلخ، استئناف جئ به بطريق الوعيد تعليلًا للردع، وانتقالًا به من تهديدهم بعذاب الدنيا الذي في قوله: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد .. الفجر/6) الآيات، إلى الوعيد بعذاب الآخرة، فإنهم إن استحقوا بما حل بالأمم قبلهم أو أمهلوا فأخر عنهم العذاب في الدنيا، فإن عذابًا لا محيص لهم عنه ينتظرهم يوم تدك الأرض دكًا حتى تنكسر ويذهب كل ما على وجهها من جبال وأبنية وقصور، فيذكرون حينها قسرًا صدق وعيد الله فلا ينفعهم التذكر ويندمون ولات ساعة مندم.

والمقصود من هذا الكلام هو قوله: (فيومئذ لا يعذب عذابه أح .. الفجر/ 25) إلخ، وقوله: (يا أيتها النفس المطمئنة .. الآية 27 من سورة الفجر) ، وأما ما سبق من قوله: (إذا دكت الأرض) إلخ، فهو توطئة وتشويق لسماع ما يجئ بعده، وتهويل لشأن يوم القيامة، وحاصل ذلك أن الإنسان الكافر يتوهم الحوادث على غير ما بها ولا يصغي إلى دعوة الرسل، فيستمر طول حياته في عماية، لذا لزم زجره زجرًا مؤكدًا يحمل معنى التهديد والوعيد ليرعوي عما هو فيه، ويفكر في عواقب الأمور عله يتحسس أقواله وأفعاله فيحسن التصرف فيهما.

(1) ينظرالتحرير 30/ 520 مجلد 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت