فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 65

37)، ومن شاك يقول: (لا ندري) ، وتقديم الجار والمجرور (فيه) على متعلقه (مختلفون) للاهتمام بالمجرور وللإشعار بأن الاختلاف ما كان من حقه أن يتعلق به مع ما في التقديم من رعاية الفاصلة [1] .

وجاء الردع بعد كل هذا للذين يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون على ما يحتمله الاختلاف من المعاني المتقدمة، لإبطال الاختلاف في ذلك النبأ وإبطال ما تضمنته جملة (يتساءلون) من تساؤل أريد به الاستهزاء وإنكار الوقوع، وفي ذلك إثبات لوقوع ما جاء به النبأ وأنه حق، لأن إبطال إنكار وقوعه مفض إلى إثبات وقوعه، فموقع الجملة (يتساءلون) على هذا موقع الجواب عن السؤال، ومن أجل ذلك فصلت ولم تعطف لأن ذلك طريقة السؤال والجواب.

على أن الكلام وإن كان إخبارًا عنهم فإنهم المقصودون به فالردع موجه إليه بهذا الاعتبار، ومن محاسن هذا الأسلوب في الوعيد أن فيه إيهامًا بأنهم سيعلمون جواب سؤالهم الذي أرادوا به الإحالة والتهكم وصوروه في صورة طلب الجواب، فهذا الجواب من باب قول الناس: الجواب ما ترى لا ما تسمع [2] .

وجاء الردع في سورة التكاثر شبيه بما هو عليه في سورة النبأ في التكرير وفي توجيه الخطاب وفي طريقة العرض الذي جاء بها الردع، فـ"الخطاب - على حد ما جاء في التحرير - للمشركين بقرينة غلظة الوعيد بقوله: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) وقوله: (لترون الجحيم) إلى آخر السورة" [3] كما يدعو إلى جعل الخطاب لهم إحالة أن يكون هذا من خلق المسلمين، ويدعو إليه أيضًا جو السورة وما ذكر في سبب نزولها فقد ورد عن ابن عباس والكلبي ومقاتل أنها نزلت في مفاخرة جرت بين بني عبد مناف وبني سهم حين تفاخروا وتعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف فقال كل من الفريقين: نحن أكثر منكم سيدا وأعز عزيزا وأعظم نفرا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقال بنو سهم إن البغي أفنانا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم، والمعنى على ذلك أنكم تكاثرتم بالأحياء (حتى زرتم المقابر) أي حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى التفاخر والتكاثر بالأموات فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة المقابر تهكما بهم، وقيل كانوا يزورون المقابر فيقولون هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فيفتخرون بذلك، وقيل المعنى ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد حتى متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا معرضين عما يهمكم من السعي لأخراكم فتكون زيارة القبور عبارة عن الموت [4] .

(1) ينظر السابقان.

(2) ينظر التحرير 30/ 11، 12 مجلد 15.

(3) التحرير 30/ 19 مجلد 15 بتصرف.

(4) ينظر أبو السعود 9/ 195 مجلد 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت