فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 65

غير ذلك - يجري في كل منهما ما يجري في الأخرى لا على مخالفة بعضهم لبعض من الجانبين، لأن الكل وإن استحق الردع والوعيد لكن استحقاق كل جانب لهما ليس لمخالفته للجانب الآخر إذ لا حقيقة في شئ منهما حتى يستحق من يخالفه المؤاخذة، بل لمخالفته عليه الصلاة والسلام، والحق أن (كلا) ردع لهم عن التساؤل والاختلاف بالمعنيين المذكورين، و (سيعلمون) وعيد لهم بطريق الاستئناف وتعليل للردع، والسين: للتقريب والتأكيد، وليس مفعوله بالذي ينبئ عنه المقام من وقوع ما يتساءلون عنه ووقوع ما يختلفون فيه كما في قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدًا عليه حقًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ليبين لهم الذي يختلفون فيه .. النحل /38،39) فإن ذلك عار عن صريح الوعيد بل هو عبارة عما يلاقونه من فنون الدواهي والعقوبات، والتعبير عن لقائهم بالعلم لوقوعه في معرض التساؤل والاختلاف ليرتدعوا عما هم عليه فإنهم سيعلمون عما قليل حقيقة الحال إذا حلّ بهم العذاب والنكال" [1] ."

والوجه في عدم وجود سبق لذكرهم يصحح عود الضمير إليهم، كون ذكرهم متكرر في القرآن فصاروا معروفين بالقصد من بعض ضمائره وإشاراته المبهمة، كالضمير في قوله تعالى: (حتى توارت بالحجاب .. ص/32) فإن المراد بها الشمس، ولما كان الاستفهام مستعملًا في غير الفهم - يعني على غير معناه الحقيقي - حسن تعقيبه بالجواب عنه بقوله: (عن النبأ العظيم) لبيان شأن ما ينبغي السؤال عنه إثر تفخيمه بإبهام أمره وتوجيه أذهان السامعين نحوه وتنزيلهم منزلة المستفهمين.

ونكتة إيراد (النبأ العظيم) على طريق الاستفهام من علام الغيوب سبحانه، التنبيه على أنه لانقطاع قرينه وانعدام نظيره، خارج عن دائرة علوم الخلق خليق بأن يعتني بمعرفته ويسأل عنه، كأنه قيل عن أي شيء يتساءلون ألا أخبركم به؟ ثم قيل بطريقة الجواب: عن النبأ العظيم، على منهاج قوله تعالى (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار .. غافر/16) فـ (من) متعلقة بما يدل عليه المذكور من مضمر حقه أن يقدر بعدها مسارعة إلى البيان ومراعاة لترتيب السؤال [2] ، ووصف النبأ بالعظيم هنا زيادة في التنويه به لأن كونه واردًا من عالم الغيب زاده عظمًا في أوصافه وأهواله، فوصفه كذلك باعتبار ما وصف به من أحوال البعث فيما نزل من آيات القرآن قبل نزول هذه الآية، ونظيره قوله تعالى: (قل هو نبأ عظيم. أنتم عنه معرضون .. ص /67، 68) .

وجئ بالجملة الاسمية في صلة الموصول (الذي هم فيه مختلفون) دون أن يقول: الذي يختلفون فيه ونحو ذلك لتفيد أن الاختلاف في أمر هذا النبأ متمكن منهم ودائم فيهم لدلالة الجملة الإسمية على الدوام والثبات، أي هم راسخون في الاختلاف فيه فمن جازم باستحالته يقول: (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين .. المؤمنون/

(1) أبو السعود 19/ 86 مجلد 4.

(2) ينظر السابق وينظر التحرير 30/ 9 مجلد 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت