والتغليظ، وأجاز بعضهم ذلك على جهة النفي أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التكاثر والتفاخر وسوف تعلمون عاقبة هذا، وكان محمد بن عيسى يقول (حتى زرتم المقابر كلا) والمعنى عنده: كلا لا ينفعكم التكاثر، وعلى قوله يوقف في الآيتين الأولى والثالثة من سورة التكاثر على (كلا) ، وما بعد (كلا) يكون مستأنفًا، لكن البدء بها وترك الوقف عليها أبين وأقوى لما ذكر من الاحتمال المفسد للمعنى في السورتين، ووجه الحسن في البدء بها ـ باستثناء ما كان منها مسبوقًا بـ (ثم) كما ألمحنا- جعلها بمعنى حقًا، أو على تقدير (ألا سوف تعلمون) (ألا تعلمون علم اليقين) وهذا كله اختيار أبي حاتم.
ومن يجيل النظر في قوله تعالى:"ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون. ولهم عليّ ذنب فأخاف أن يقتلون. قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون .. الشعراء/13 - 15) يلحظ أن المقام الذي وردت فيه -على ما سبق ذكر ذلك- مقام تطمين لموسى عليه السلام وإزالة مخاوفه وإذهاب قلقه واضطرابه وهذا لا يناسبه إلا معنى الردع بقصد التوجيه وإلقاء السكينة وبث الطمأنينة في صدره، أو نفي أن يقع عليه قتلٌ ممن يتربصون به حتى يزيد ذلك من طمأنته عليه السلام إذ من شأن ذلك أن يقوي عنده جانب الثقة بالله وأنه سبحانه عاصمه من كيد أعدائه وحافظه من إلحاقهم الضرر به، لذا كان الحمل على معنى الردع أو النفي أولى، والوقوف من ثم على (كلا) للدلالة علي أي من المعنيين أبلغ وكأنه سبحانه يقول له:"ارتدع عن خوف القتل فإنك بأعيننا" [1] أو قال له على حد قول القرطبي في أحكام القرآن:"كلا لن يقتلوك، فهو ردع وزجر عن هذا الظن وأمر بالثقة بالله تعالى، أي ثق بالله عن خوفك منهم فإنهم لا يقدرون على قتلك ولا يقوون عليه" [2] ."
ولا يتأتى لـ (كلا) مع هذه المعاني الملائمة لورودها في هذا المقام أن تكون للتنبيه بمعنى (ألا) ، كما لا يتأتى لها أن تكون بمعنى (حقًا) وإلا لكانت له إزعاجًا وليس تطمينًا، ذلك أن موسى - عليه السلام - قد ساوره الخوف واستولى عليه القلق وملك عليه حواسه وشعوره فالتجأ إلى ربه كي يطمئن خاطره ويهدأ روعه فقال: (ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون) ، فإذا كان أول ما يطرق سمعه من ربه معنى (حقًا) فلا شك أن هذا سيضاعف خوفه ويزيد من قلقه ويملأ جوانحه زعرًا واضطرابًا.
كما لا يصح من جهة أخرى الوقف على (قال) والابتداء بـ (كلا) ، لأن (كلا) وما بعدها إلى آخر الآية مقول القول ولا يجوز الفصل بين القول ومقوله وهذا الوجه يجعل هذا الموضع ضمن المواضع التي لا يحسن الوقف فيه على (كلا) ولا البدء بها، أما عدم البدء بها فلما ذكرنا من كونها زجر ونفي وهو ما لا يستقيم معه المعنى، وأما عدم
(1) روح المعاني 19/ 98 مجلد 11.
(2) القرطبي 7/ 4971.