في الشعراء" [1] ولنشرع في تفصيل ما أجملنا، فنقول وبالله التوفيق:"
(1) ، (2) :- جاءت كلا في قول الله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالًا وولدًا. أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا. كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدًا. ونرثه ما يقول ويأتينا فردًا. واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزًا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدًا .. مريم/77 - 82) ، في سياق الرد والإنكار على العاص بن وائل - كما سبق أن ذكرنا وكما ثبت في الصحيح - وذلك حين أبى أن يؤدي ثمن سيف صنعه له الخباب، وراح يقول للخباب الذي جاءه في رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى، قال على سبيل التهكم والاستخفاف: موعدكم الآخرة, والله لأوتين مالًا وولدًا ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به فنزلت [2] .
فمجيء (كلاّ) في سياقات سورة مريم: (كلا سنكتب ما يقول .. مريم/79) (كلا سيكفرون بعبادتهم .. مريم/82) ردع له ولمن معه وزجر لهم عن التفوه بتلك العظيمة، واتخاذه ومن معه آلهة اعتقدوا فيها العزة والنصرة، وحسبوا أنها تمنعهم من عذاب الله، ونفي في الوقت ذاته وإبطال لصحة ما تضمه قوله تعالى: (أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا) ، وقوله (واتخذوا من دون الرحمن آلهة ليكونوا لهم عزا) ، كأنه قال على وجه التهديد والوعيد بتسجيل وضبط كل ما يصدر منه ومنهم لمجازاتهم عليه: فليرتدع هذا الكافر عن التفوه بمثل هذا وليرجع عن صلفه وكبره ولينزجر من معه، فلا هو أطلع على الغيب ولا هو اتخذ عند الرحمن عهدًا أن يحقق له شيئًا مما زعم حتى يقول ما قال، ولا الأمر على ما ظنه أهل ملته من أن الآلهة التي اتخذوها من دون الله ستشفع لهم أو تدفع عنهم أو تمنعهم من عذاب يوم القيامة، فإن هذه الآلهة ومنهم الملائكة والجن الذين يعبدونهم من دون الله تعالى سيكفرون بعبادتهم وينكرونها عليهم ويتبرءون إلى الله منهم ويكونون عليهم ذلًا وهوانا لا عزًا ونصرا وعلى هذا الوجهين المتضمنين لمعنى الردع ولمعنى (لا) النافية يوقف على (كلا) في الموضعين، لكون ما بعدها فيهما على الاستئناف ولكونها هي في معنى النفي لما قبلها والإثبات لما بعدها، ويكون الوقف علي (كلاّ) فيهما كافيا لتعلقهما بما قبلهما تعلقا معنويًا, لبيان أنهم مخطئون فيما تصوروه ورجوه لأنفسهم.
ولا يرد على ما جاء في حق العاص أن كيف يتأتى حدوث الكتابة مستقبلًا - مع ما أفادته سين التسويف - مع أنه قد كتب من غير تأخير، لكون نفس الكتابة لا تتأخر عن
(1) كذا أفاده مكي في شرح كلا وبلى ص 68: 70 ونقله عنه السيوطي في الإتقان ص 121 ونهاية القول المفيد لمحمد مكي نصر ص 176,175.
(2) ينظر روح المعاني 16/ 188 مجلد 9.