فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 65

وصفوة القول، أن (كلاّ) لا تكون بمعنى (حقًا) بحال إذا كسرت بعدها همزة (إن) بل يتعين حينئذ أن تكون للردع أو الاستفتاح كما في آيتي المؤمنون والشعراء، وقد تفيدهما معًا إذا صلح الموضع للردع وغيره، كما يمتنع كونها للزجر إذا لم يكن قبلها ما يصح الرد عليه، كما في قوله تعالى: (وما هي إلا ذكرى للبشر. كلاّ والقمر .. المدثر/31، 32) .

يقول ابن هشام في مغني اللبيب:"إذا صلح الموضع للردع ولغيره كما في قوله تعالى: (أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا. كلاّ سنكتب ما يقول .. مريم /78، 79) وقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزًا. كلا سيكفرون بعبادتهم .. مريم /81، 82) ، جاز الوقف على (كلاّ) على احتمال أن تكون للردع، وجاز الابتداء بها على احتمال أن تكون بمعنى (ألا) الاستفتاحية أو بمعنى (نعم) ، والأرجح حملها على الردع لأنه الغالب فيها، وقد تتعين للردع أو الاستفتاح نحو (رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلاّ إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يبعثون .. المؤمنون/100) ، لأنها لو كانت بمعنى (حقًا) لما كسرت همزة (إن) ، ولو كانت بمعنى (نعم) لكانت للوعد بالرجوع لأنها بعد الطلب كما يقال: (أكرم فلانًا) فتقول: (نعم) ، وكذا قوله تعالى: (قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربي سيهدين .. الشعراء/61، 62) ، وذلك لكسر (إن) ولأن (نعم) بعد الخبر للتصديق، وقد يمتنع كونها للزجر نحو (وما هي إلا ذكرى للبشر. كلا والقمر .. المدثر /31، 32) إذ ليس قبلها ما يصلح رده، وقول الطبري وجماعة: إنه لما نزل في عد خزنة جهنم: (عليها تسعة عشر .. المدثر/30) قال بعضهم: اكفوني اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر، فنزل: (كلا) زجر له، قول متعسف لأن الآية لم تتضمن ذلك" [1]

وقعت (كلاّ) في النظم الكريم في ثلاثة وثلاثين موضعًا من خمس عشرة سورة كلها في النصف الثاني من القرآن وليس في النصف الأول منها شئ، كما لوحظ أن ورود هذه الكلمة كان فيما نزل بمكة فلم ينزل بالمدينة منها شئ، لذا قيل: (متى سمعت كلاّ في سورة فاحكم بأنها مكية) .

ومن المناسب أن نشير إلى مواضع هذه الكلمة في القرآن الكريم كيما يتسنى لنا - فيما يلي من مباحث - معرفة أيٍّ من هذه المعاني السابق ذكرها، أنسب للسياق وأولى بالوقف والابتداء، وأجدر بأن يحمل عليه تأويل ومعنى هذه اللفظة التي كثر ورودها في آي الذكر الحكيم، ويمكن إجمال هذه المواضع وحصرها فيما يلي:

1، 2 - موضعان في سورة مريم هما قول الله تعالى: (كلاّ سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدًا .. مريم/ 79) ، وقوله: (كلاّ سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدًا .. مريم/

(1) مغني اللبيب / 321 بتصرف وينظر البصائر 4/ 382 ومعالم الاهتداء ص 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت