فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 65

القيامة؟)، أعنى على إحالة البعث باعتباره واقعًا مشاهدًا عند الاحتضار، إذ يَرد على هذا الأخير ما سبق أن ذكرته من الربط بين الردع الأول وقوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) وصدوره - على القول بالربط بين العجلة في الآيتين - ممن لا ينكر البعث.

فالردع في هذا السياق - ابتناء على ما سبق - ردع على ما تضمنه النظم الكريم من إيثار العاجلة على الآخرة للتنبيه إلى ما تنقطع عنده ما بين المخاطبين به وبين العاجلة من العلاقة من مشاهد الاحتضار وبلوغ النفس لأعالي الصدور قبيل خروج الروح وعدم وجود من يدفع كل ذلك أو ينجي صاحبه منه، والاستعداد - من ثم - لهذه اللحظات بتحصيل الأعمال المقربة إلى الله .. وفى تقديم (إلى ربك) على متعلقه وهو (المساق) اهتمام به لكونه محل الإنكار منهم.

وسلك في الجمل التي أعقبت حرف الردع بعد (إذا) مسلك الإطناب لتهويل حالة الاحتضار على الكافر, وفى ذلك إيماء إلى أن الكافر يتراءى له مصيره في حال احتضاره وقد دل عليه حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) ، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا نكره الموت, قال: ليس ذاك لكن المؤمن إذا حضره الموت بُشر برضوان الله وكرامته فليس أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضر بُشر بعذاب الله وعقوبته فليس شئ أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه.

وفي معنى ما سبق من تصويب ما يظن أنه الصواب والتنويه على الخطأ فيما يعتقد أنه الحق، والتنبيه على من تخفى عليه حقيقة الأمر فيه، ما ذكره الطاهر في تفسير قوله سبحانه (ألا يظن أُولئك أنهم مبعوثون. ليوم عظيم. يوم يقوم الناس لرب العالمين. كلا إن كتاب الفجار لفي سجين .. المطففين /4 - 7) حيث أفاد ذلك قائلًا:" (كلا) إبطال وردع لما تضمنته جملة (ألا يظن أُولئك أنهم لمبعوثون) من التعجب من فعلهم التطفيف، والمعنى: كلا بل هم مبعوثون لذلك اليوم العظيم ولتلقى قضاء رب العالمين فهو جواب مما تَقّدم" [1] .

ويبدو ذلك واضحًا في كثير من الآيات التي تأتي في سياقاتها (كلا) منبئة عنه، من نحو قوله سبحانه: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون. لعلى أعمل صالحًا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون .. المؤمنون/ 100،99) ، وقوله: (يوم تكون السماء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن. ولا يسأل حميم حميمًا. يبصرونهم يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه. وصاحبته وأخيه. وفصيلته التي تؤيه. ومن في الأرض جميعًا ثم ينجيه. كلا إنها لظى .. المعارج/8 - 15) ، وقوله: (ذرني ومن خلقت وحيدًا. وجعلت له مالًا ممدودًا. وبنين شهودًا. ومهدت له

(1) التحرير 3/ 194 مجلد 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت