تمهيدًا. ثم يطمع أن أزيد. كلا إنه كان لآياتنا عنيدًا .. المدثر/11 - 16).
فمن الواضح أن (حتى) في آيات سورة (المؤمنون) متصلة بقوله قبل: (وإنا على أن نريك ما نعدهم به لقادرون .. المؤمنون /95) فتكون وما بعدها وصفًا لعذابهم في الآخرة، وهذا يرجح أن يكون ما سبق ذكره في السورة من العذاب من نحو قوله: (حتى إذا فتحنا عليهم بابًا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون .. المؤمنون / 77) ، عذابًا في الدنيا، ويصح صرفه على عذاب الآخرة فيكون إجمالًا وما في قوله: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون) إلخ تفصيل له.
وضمير الجمع في قول هذا الغافل (رب ارجعون) تعظيم للمخاطب سبحانه وهي طريقة معروفة لدى العرب، وما أعقبه من جملة الترجي (لعلي أعمل صلحًا فيما تركت) في موضع العلة لمضمون (ارجعون) والترك فيها مستعمل في حقيقته وهي معنى التخلية والمفارقة، ويجوز أن يراد به معناه المجازي، وهو الإعراض والرفض فيكون معناه: لعلي أُسلم وأعمل صالحًا في حالة إسلامي الذي كنت أتأبى عليه وأرفضه، ويكون حينئذ مشتملًا على وعد بالامتثال وعلى اعتراف بالخطأ فيما سلف. ورُكب بهذا، النظم الموجز قضاء لحق البلاغة، و (كلا) على أيٍّ من الحالين ردع للسامع ليعلم أن ما تطلع إليه الكافر من طلب الرجع مستبعد تمامًا بعد أن فات أوانه وقضى الله فيه بأمر، فهو من كلامه سبحانه.
وأبعد من زعم أنها من قول من عاين الموت وأنه يقول ذلك لنفسه على سبيل التحسر والتحزن، ويؤيد ذلك ما ورد في السياق من قوله: (إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) كذا بالإخبار عما غاب عن بني البشر، ولا عجب من وصف الكلمة في النظم الكريم بقوله: (هو قائلها) مع كون ذلك معلومًا، لأن الخبر مستعمل في معنى: أنه لا وصف لكلمته غير كونها صدرت من فِيِّ صاحبها، وبذا يعلم أن التأكيد بحرف (إنّ) لتحقيق المعنى الذي استعمل فيه الوصف، فهو في معنى: هو قائلها لا محالة، لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة وتسلط الندم عليه، فتقديم المسند إليه لتقوية الحكم، وعلى معنى هو قائلها وحده لا يبعد أن تكون للاختصاص، وفيه ما يدل على مزيد الاستبعاد لكونه في معنى أنه لا يجاب إليها ولا تسمع منه، بتنزيل الإجابة والاعتداد منزلة قولها، حتى كأن المعتد بها شريك لقائلها، ومثل هذا متداول فيقول من كلمه صاحبه بما لا جدوى تحته: (اشتغل أنت وحدك بهذه الكلمة وكلم بها نفسك) ، يعنى أنها مما لا تُسمع منك ولا تستحق الجواب.
ومن المعلوم بداهة والمعروف بلاغة والمألوف استعمالًا استخدام الكلمة ليراد بها الكلام كقوله تعالى: (ولقد قالوا كلمة الكفر .. التوبة/74) ، وهي ليست كلمة وإنما هي كلام، ونظير ذلك ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة