فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 65

لبيد: (ألا كل شئ ما خلا الله باطل) [1] .

وقريب مما سبق من مجئ (كلا) في الاستبعاد وقطع الأمل والرجاء، ما ورد في سياق حديث المجرم الذي يتمنى يوم القيامة (لو يفتدي من عذاب يومئذٍ ببنيه. وصاحبته وأخيه. وفصيلته التي تؤويه. ومن في الأرض جميعًا ثم ينجيه) ، فقد جاء القول الكريم (كلا) لإبطال ما يخامر نفوس المجرمين من الودادة، والأصل فيه أن يكون ردًا لكلام سابق لكنه هنا نزّل ما هو مضمر في نفوسهم منزلة الكلام، لأن الله مطلع عليه وعالم به، ولا يبعد أن يكون حرف الردع في هذا السياق لإبطال ما يتفوه به من تمنى ذلك على وجه الحقيقة كما جاء في قوله سبحانه: (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابًا .. النبأ/40) ، يقوي ويعضد من شأن ذلك الأخير أنه سبحانه عبر عن صريح ما جاء في آية النساء بقوله تعالى: (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض .. النساء/42) أي يصيرون من ترابها، ولكن هيهات أن يكون لهم ذلك أو شئ منه، فلقد عاين كل منهم (لظى) التي أعدت له تدعوه وتتعقبه على الرغم من إدباره عنها وتوليه منها، وبلغ الأمر إلى حيث يتمنى كل مجرم أن يفتدي بأقرب الناس إليه، وأعلقهم بقلبه بعد أن يبصر بعضهم ببعض فيقال لأحدهم: انظر ماذا يقاسي قريبك فلان؟ فما يمنعهم من سؤال الشفاعة أو النصرة أو المنفعة إلا اشتغال كلٍّ بحال نفسه [2] نسأل الله العفو والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة.

وفي قوله عز من قائل في حق الوليد بن المغيرة المخزومي: (كلا إنه كان لآياتنا عنيدًا) على إثر طلبه المزيد وطمعه في الاستزاده فيما ابتلاه الله به - على كفره وعناده كما جاء في قوله سبحانه: (وجعلت له مالا ممدودا. وبنين شهودا. ومهدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد) - ردع وإبطال لطمعه في الزيادة وقطع كذلك لرجائه، وقد كان الوليد يلقب في قريش بالوحيد لتوحده وتفرده باجتماع مزايا له لم تجتمع لغيره وهو كثرة الولد وسعة المال ومجده ومجد أبيه من قبله، وكان مرجع قريش في أمورهم لأنه كان أسن من أبى جهل وأبى سفيان، فلما عرف بلقب الوحيد كان هذا الكلام إيماءً إليه لاشتهاره به، وجاء النعت بذلك بعد فعل (خلقت) ، ليصرف هذا الوصف عما كان مرادا به فينصرف إلى ما يصلح لأن ينكشف به حقيقة أمره، وليكون المعنى على التهديد والوعيد (ذرني ومن أوجدته وحيدًا من المال والبنين والبسطة) ، فيُغير حينئذ عن غرض المدح والثناء الذي كانوا يخصونه به إلى غرض الافتقار إلى الله الذي هو حال كل مخلوق، بل وإلى غرض الذم بجعله وحيدًا في الخبث والشرارة أو وحيدًا عن أبيه لأنه كان دعيا لم يعرف نسبه للمغيرة حقيقة كما ألمحت إليه الآية الكريمة: (عتل بعد ذلك زنيم .. القلم/13) ، ويروى عن ابن عباس في ثرائه أن ماله من الإبل والغنم والجواري والخيام بلغ بين ما بين مكة والطائف وأن كل هذا المال كان يبلغ ألف دينار أو يزيد وأن بستانًا له بالطائف كان لا

(1) ينظر التحرير 18/ 122 وما بعدها مجلد 9 والآلوسي 18/ 95،96 مجلد 110.

(2) ينظر التحرير 29/ 162 مجلد 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت