(لئن لم ينته) أما جواب الشرط للأداة (إن) فمحذوف دل عليه جواب القسم، والسفع: هو القبص الشديد بجذب، والناصية: هي مقدم شعر الرأس، وأداة التعريف فيها للعهد التقريري أي لنأخذنّ بناصية الذي ينهاك يا محمد عن الصلاة [1] .
ويتضح من سياق الآيات الكريمة (ويل لكل همزة لمزة. الذي جمع مالا وعدده. يحسب أن ماله أخلده. كلا لينبذن في الحطمة .. الهمزة/1 ـ 4) أن حرف الردع جاء فيها بما يفيد الإقسام أيضا والقصد منه إبطال أن يكون المال مخلدًا لذاك الذي صار الهمز واللمز ملكة فيه، وإنما استكنه ذلك من الصيغة التي ورد بها (همزة لمزة) ، فهما - كما هو بين - وصفان لمحذوف تقديره ومعناه: (ويل لكل شخص همزة لمزة) ، فمن حذف موصوفه يعلم أن الوصف قائم مقامه ومن ثم أضيف إليه (كل) ، وهذان الوصفان هما من ألزم صفات أهل الشرك، وأتبعا بـ (الذي جمع مالا وعدده) لزيادة تشنيع صفتيه الذميمتين بصفة الحرص على المال، وهذا إنما ينشأ عن بخل النفس والتخوف من الفقر، والوجه فيه إدخال أولئك الذين عرفوا بهذه الصفة كما عرفوا بهمز المسلمين ولمزهم لتعيينهم في هذا الوعيد.
والسر في عدم العطف بالواو في قوله (الذي جمع مالًا وعدده .. الهمزة/ 2) ومجيئه في صورة النعت، أن ذكر الأوصاف المتعددة للموصوف الواحد يسوغ أن يأتي بدون عطف كما جاء في قوله تعالى (ولا تطع كل حلاف مهين. همازٍ مشاءٍ بنميم. مناع للخير معتدٍ أثيمٍ. عتل بعد ذلك زنيم .. القلم/10 - 13) ، فعلى القول بأن جملة (يحسب أن ماله أخلده) في موقع الحال يكون قد استعملت للتهكم على الموصوف بالهمز والحرص، لأنه لا يوجد من يحسب أن ماله أخلده فيكون الكلام على سبيل التمثيل أو التشبيه البليغ الذي يشبه فيه حالهم بحال من يحسب أن المال يقيهم الموت ويجعلهم خالدين .. وعلى القول باستئنافها يكون خبرًا مرادًا به الإنكار أو على تقدير همزة استفهام محذوفة بقصد التقريع أو التعجب.
ومهما يكن من أمر فمجيء (أخلده) كذا بصيغة الماضي هو إمعان وتأكيد وزيادة في التهكم به وتصويره في صورة الموقن بأن ماله سيخلده لا محالة حتى لكأنه قد حصل له ذلك بالفعل وثبت، وهذا أقصى ما يتمناه ذلك الغافل، لانعدام إيمانه بحياة أخرى خالدة، ومن هنا يجئ القول الحكيم: (كلا لينبذن في الحطمة) ، مُصدرًا بحرف الردع والتأكيد المتعدد كالصدمة له لإبطال ما حسبه ولزجره عن التلبس بالحالة الشنيعة التي جعلته في حال من يطمئن ويوقن أن المال يخلد صاحبه، أو لإبطال حرصه في جمع المال جمعًا يمنع به حقوق الله فيه [2] ، وفي ذلك من الوعيد ما لا يخفى.
(1) ينظر التحرير 30/ 450 مجلد 15.
(2) ينظر التحرير 30/ 537 وما بعدها مجلد 15.