وقت، وبذلك يستبين أن ما أوحى الله به إلى نبيه عليه السلام في هذه السورة، هو وحي له بأمر كان مغيبا عنه وهو حين أقبل على دعوة المشرك وإرجاء إرشاد المؤمن، لم يكن في ظاهر حالهما ما يؤذن بباطنه، وما أظهر الله في هذه الآيات غُيب علمه, إلا لإظهار مزية مؤمن راسخ الإيمان أو تسجيل كفر مشرك لا يرجى منه الإيمان، مع ما في ذلك من تذكير النبي عليه السلام بما يريده ويحبه من رفع شأن المؤمنين أمام وفي صدور المشركين" [1] ."
والنكتة في تأنيث الضمير في قوله تعالى: (إنها تذكرة) خصوصية تحميل الكلام أكثر من معنى لجواز عوده إلى الدعوة التي تضمنها قوله: (فأنت له تصدى) ، أو إلى الموعظة فيكون المعنى أن هذه الموعظة ليست ملامًا وإنما هي تذكرة لك يا محمد وتنبيه لما غفلت عنه، أو إلى الآيات التي قرأها النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس، وفي عود الضمير عليها في جملة: (فمن شاء ذكره) بالتذكير، تنبيه على أن المراد آيات القرآن، فهي جملة تعليلية لما أفادته (كلا) ببيان علو رتبة القرآن العظيم الذي استغنى عنه من تصدى عليه السلام له، وهي أيضا جملة اعتراضية قصد منها الترغيب في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والحث على حفظه والاتعاظ به، واقتران الجملة المعترضة بها بالفاء - دون الواو - صرح به ابن مالك في التسهيل واستجازه من غير نقل اختلاف فيه، وتناوُل الزمخشري في الكشاف عند الكلام على قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر .. النحل/43،الأنبياء/7) ، نص في ذلك [2] .
ويكثر مجيئ (كلا) لتحقيق هذا الغرض, في سياق الحديث عن نبي الله موسى عليه السلام ربما لكثرة ما عرض له من شدائد وفظائع كان السبب المباشر في جلها هم أعداؤه ومناوئوه من بني البشر ليزيل من نفسه الخوف منهم .. ولك أن تتأمل هذا وأنت تتصفح قول الله تعالى في سورة الشعراء: (وإذ نادى ربك موسى أن ائتِ القوم الظالمين. قوم فرعون ألا يتقون. قال رب إني أخاف أن يكذبون. ويضيق صدرى ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون. ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون. قال كلا فذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون. فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين. أن أرسل معنا بنى إسرائيل .. الشعراء/10 - 17) وقوله في مواجهة موسى لفرعون وملئه: (فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربى سيهدين .. الشعراء/61 - 62)
ففي معرض الحديث في الموطن الأول عن تكليف الله لكليمه موسى بشأن دعوة فرعون وملئه، أوضحت الآيات ما أبداه موسى عليه السلام من تخوف من أمور ثلاثة هي:
(1) التحرير 30/ 113،114 مجلد ه 1 بتصرف.
(2) ينظر السابق 30/ 115 مجلد 15 وروح المعاني 30/ 73 مجلد 16 والكشاف 4/ 281.