والحق أن هذا اللون من الوقوف يحتاج إلى مزيد بحث نظرًا لما يحمله من ثراء في المعنى واتساع في فهم المراد، وما ذلك إلا لإفادته معنى عند البدء به مع ما بعده، وإفادته معنى ثانيًا ومغايرًا عند الوقوف عليه بصحبة ما قبله، لذا كان من المناسب إرجاء الحديث عنه إلى حين البحث مع نظائره من حروف المعاني الأخرى التي يسوغ لنفس العلة ولنفس السبب، الوقف عليه والبدء به، وذلك حتى يتسنى لنا الحديث عن ذلك باستفاضة وبما يقتضيه ويستحقه هذا النوع من التعانق.
ويستقيم لنا من خلال ما ذكر أن أشير إلى أن الوجه فيما لا يحسن الوقف فيه على (كلا) ويحسن أن يبتدأ فيه بها من مواضع بلغ مجموعها ثمانية عشر موضعًا .. إنما يتلخص في كون هذه الأداة غير صالحة لنفي ما قبلها، كما أنها غير صالحة لرده أو زجره، ومن ثم يصبح من اللائق وفاء بحق السياق وبلاغته ألا يوقف عليها، ولا يعني ذلك بحال أن يتحتم كونها بمعنى (حقًا) أو (ألا) ، فإن ذلك ليس بشرط للبدء بها وإن أجازه بعضهم فيما لا يسوغ فيه استعمالهما وعممه آخرون.
ففي قوله في سورة المدثر: (وما هي إلا ذكرى للبشر. كلا والقمر .. المدثر/31،32) تنازع أهل العلم في إساغة الوقف على (كلا) ، فذكر الفراء فيما نقله عن القرطبي أن" (كلا) صلة للقسم والتقدير أي والقمر) وقيل المعنى حقًا والقمر" [1] وعلق يقول:"فلا يوقف على هذين التقديرين على كلا" [2] ، بينا أجاز الطبري الوقف عليها وجعلها ردًا للذين زعموا أنهم يقاومون خزنة جهنم فجعل المعنى في ذلك: ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار ثم أقسم سبحانه على ذلك بالقمر وما بعده [3] وفيما قاله نظر لأن السياق لا يساعده لذا فقد رده ابن هشام في المغني قائلًا:"وقول الطبري وجماعة أنه أنزل في عدد خزنة جهنم (عليها تسعة عشر .. المدثر/ 30) فقال أبو جهل: (اكفوني اثنين وأنا أكفيكم تسعة عشر) فنزل (كلا) زجرًا له، قول متعسف لأن الآية لم تتضمن ذلك" [4] يعني بقوله أنه لم يذكر في الآية الواقعة قبلها التي هي سبب النزول ما يناسب ذلك، وكلا التي للردع والزجر لا بد أن يتقدمها صراحة ما يردع عليه، ويؤخذ من كل ما ذكر أن الأبلغ في هذه الآية أن يكون بمعنى (إي) و (نعم) أو تكون بمعنى (حقًا) لكون ذلك هو الأنسب للسياق والأوقع في مراعاة النظم الكريم.
وما ذكره الزمخشري من أن المراد بها الإنكار على ما سبق بعد أن جعلها سبحانه ذكرى، تعقبه أبو حيان بأنه لا يسوغ في حقه تعالى أن يخبر أنها ذكرى للبشر - يقصد
(1) القرطبي 10/ 7120.
(2) السابق.
(3) ينظر تفسير الطبري 29/ 102 مجلد 12.
(4) المغني 1/ 321، 322 وينظر شرح كلا لمكي ص 39.