في قوله قبل (وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر) سواء عاد الضمير فيه على (سقر) أو على عدة خزنتها أو على الآيات الناطقة بأحوال سقر - ثم ينكر أن يكون ذلك لهم ذكرى [1] وأجاز بعضهم أن تكون كلا بمعنى (ألا) الاستفتاحية التي تفيد التنبيه على التنويه بشأن ما بعدها والعناية بأمره.
وعلى أي من هذه الأحوال السائغة فإن الوجه في أن يكون الوقف على ما قبلها والبدء بها، هو تعلقها - والحال هكذا - بالكلام اللاحق بعدها، وقد سبق أن ذكرنا أن المقام فيها مقام إقسام فهي مع ما ذكر صلة لليمين وهذا ذكره ابن فارس [2] كما نص عليه غيره، كما يعضد من شأن البدء بها والوقف على ما قبلها مراعاة للسياق.
والوقف على (كلا) في قوله تعالى من نفس السورة: (كلا إنه تذكرة .. المدثر/54) لا يجوز،"لأن في الوقف عليها نفي لما حكى الله عن أهل الكفر من أنهم لا يخافون الآخرة، فإن جعلتها للنفي على أنها تأكيد لـ (كلا) الأولى، جاز الوقف عليها عند بعض العلماء - وهو مذهب أبي حاتم والكسائي ونصير - يجعلونها ردًا وتأكيدًا لـ (كلا) الأولى فتنفي ما نفته الأولى، وهذا بعيد، لأن التأكيد لا يُفرق بينه وبين المؤكد، وهم قد أجازوا الوقف على كلا الأولى فكيف يجوز الوقف عليها والثانية عندهم توكيد لها فيفرقون بين المؤكد وتوكيده"، كذا ذكره مكي ونص عليه [3] ويفاد منه أن القول بالنفي أيًا ما كان الأمر فيه، فيه إشكال فلا يحسن - من ثم - الوقف عليه على ما يقتضيه كلام المحققين.
وسواء امتنع حمل المعنى على النفي أو ساغ حمله على معنى: حقًا إن هذا القرآن عظة (فمن شاء ذكره) أي اتعظ به .. أو بمعنى (ألا) كما ذهب لكلّ فريق من أهل العلم [4] فإن ذلك يستلزم البدء بـ (كلا) لكونها على أي من الحالات التي ذكرت متعلقة بالجملة بعدها.
لكن الغريب في أمر مكي والعجيب، أنه جرى في تفسيره، على معنى النفي فقال:"أي ليس الأمر كما يقول هؤلاء المشركون في القرآن إنه سحر يؤثر وإنه قول البشر، ولكنه تذكرة من الله لخلقه، ثم قال تعالى: (فمن شاء ذكره) أي اتعظ به واستمع ما فيه" [5]
والحق أن الوقف على (كلا) في هذه الآية الكريمة وإن لم يسغ مع ما ذكرنا من معنى النفي إلا أن ذلك لا يمنع من إساغته في حال ما ارتبط المعنى بمتعلق إرادتهم أن يؤتى كل منهم صحفًا منشرة، فتكون (كلا) حينئذ ردع لهم عن إرادتهم تلك وزجر لهم عن
(1) ينظر الكشاف 4/ 186 والبحر 8/ 378 والآلوسي 30/ 223 مجلد 16 ودراسات عضيمة القسم الأول 2/ 392 ومعالم الاهتداء ص 160.
(2) ينظر مقالة كلا ص 17.
(3) شرح كلا ص 42 بتصرف يسير.
(4) ينظر التحرير 30/ 332 مجلد 14 والقرطبي 10/ 2127 ومقالة كلا ص 16.
(5) هامش شرح كلا ص 42 نقلا عن الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي 4/ 249 مخطوطة بالرباط.