اقتراحهم الآيات [1] ويصح أن تكون ردعًا ثانيًا مؤكدًا للردع الذي قبله والحاصل في قوله: (كلا بل لا يخافون الآخرة) وجملة: (إنه تذكرة) تعليل للردع عن سؤالهم أن ترد عليهم صحف منشرة بأن هذا القرآن فيه ما يكفي لكونه تذكرة عظمى كما في قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين. أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون .. العنكبوت/50، 51) .
هذا وقد نفى النحاة وجل علماء أهل اللغة بشدة جعل (كلا) في آيات سورة القيامة وبعض سور القرآن الأخرى للردع لمنافاة ذلك لما يقتضيه السياق في تلك السور، ونعوا على الذاهبين إلى عكس ذلك قولهم، ففي معرض الحديث عن لزوم (كلا) لمعنى الزجر والردع الذي قال به أكثر البصريين أوضح ابن هشام أن هذا غير صحيح وأنه لا يظن معنى الزجر في كلا المسبوقة بنحو (في أي صورة ما شاء ركبك .. الانفطار/8) - يعني في قوله بعدها (كلا بل تكذبون بالدين) - (يوم يقوم الناس لرب العالمين .. المطففين/6) - يعني في قوله بعدها: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين) [2] - (إن علينا جمعه .. القيامة/17) - يعني في قوله بعدها: (كلا بل تحبون العاجلة .. القيامة/20) - وذكر أن ذهاب القائلين بإفادة هذه المواضع لمعنى الردع وجعلهم"المعنى: انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي سورة ما شاء الله، وبالبعث وعن العجلة بالقرآن، تعسف"وعلل ذلك بالقول بأنه"لم يتقدم في الأولين حكاية نفي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين كلا وذكر العجلة، وأيضًا فإن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة العلق ثم نزل (كلا إن الإنسان ليطغى .. العلق/6) ، فجاءت لافتتاح الكلام" [3] وقد جاءت الإشارة إلى بعض ذلك عند الرضي في شرح الكافية [4] .
كما صرح بعضهم أن ذلك يستلزم أحيانًا جعل الأداة بمعنى (ألا) ، ويستلزم أحيانًا كثيرة أن تحمل على معنى (حقًا) ، وابتناء على ما لاحظوه بمعونة السياق يكون الابتداء بـ (كلا) هو الاختيار ويكون فيما ذكره جل أهل التفسير خلافًا لذلك نظر.
(1) ينظر الآلوسي 29/ 223 مجلد 16.
(2) ونظيرها ما جاء في قوله تعالى: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين .. المطففين / 18) ، بعد قوله: (ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون) .
(3) مغني اللبيب 1/ 320.
(4) الذي نص على أن (كلا) في نحو (كلا بل تحبون العاجلة .. القيامة/ 20) و (كلا إذا بلغت التراقي .. القيامة /26) ، ليست للردع وعلل ذلك بأنه لا معنى للردع إلا بالنظر لما قبلها، وما قبلها لا يصلح للردع [ينظر شرح الكافية 4/ 478] كما أشار لذلك الفيروزابادي في البصائر [ينظر البصائر 4/ 382] والسيوطي في الإتقان والمعترك [ينظر الإتقان ص 251 والمعترك 2/ 194] والكفوي في الكليات [ينظر الكليات 4/ 95] والرماني في معاني الحروف [المعاني ص 122] وابن يعيش في شرح المفصل [ينظر شرح المفصل 9/ 1] والإربلي في جواهر الأدب الذي علق بقوله:"ولا يخفي على الذهن السليم صحة هذه وحقيقته" [جواهر الأدب ص 507] .