يقول مكي في (كلا) الوارد ذكرها في قول الله تعالى: (ثم إن علينا بيانه. كلا بل تحبون العاجلة .. القيامة/ 19، 20) :"الوقف على (كلا) لا يحسن لأنك كنت تنفي ما تضمن الله لنا من بيان كتابه، والابتداء بـ (كلا) هو الحسن المختار .. في هذا على معنى (حقًا) أو على معنى (ألا) وكونها بمعنى (حقًا) هنا أحسن، ليؤكد بها ما أخبر الله عن عباده من محبتهم الدنيا وزهدهم في الآخرة، وذلك صحيح في كل الخلق إلا من عصمه الله ووفقه" [1] .
وبنفس هذه العلة يشير - عليه من الله سحائب الرحمة والرضوان - إلى أن الوقف على (كلا) في قوله (في أي صورة ما شاء ركبك. كلا بل تكذبون بالدين .. الانفطار/8،9) :"لا يحسن، لأنك كنت تنفي ما أخبر الله سبحانه به من أنه يصور الإنسان في أي صورة شاء - في صورة أب أو أم أو خال أو عم أو حمار أو خنزير - وذلك حق لا ينتفي، وقد أجازه نصير على معنى: لا يؤمن هذا الإنسان بذلك، وقيل معنى الوقف: ليس كما غررت به، وفيه بعد للإشكال، والابتداء بها حسن على معنى (ألا بل تكذبون) أو على معنى (حقًا بل تكذبون) وكونها بمعنى (حقًا) أحسن لتقييد تأكيد كذبهم بالدين وهو الجزاء في الآخرة" [2] .
و (كلا) الواردة في آية المطففين: (يوم يقوم الناس لرب العالمين. كلا إن كتاب الفجار لفي سجين .. المطففين/6، 7) لا يجمل الوقف عليها هي الأخرى لأن في ذلك نفي لقيام الناس لرب العالمين، وذلك لا ينفى كونه حق لا شك فيه، وقد أجازه الطبري نفيًا لما يظنه المشركون من عدم الحشر والبعث [3] ولعل متكأه في هذا قوله تعالى: (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم .. المطففين /4) ، والحق أن الوقف على هذا التقدير بعيد لأنه لا يدري ما نفت أإثبات البعث أم نفيه؟ ولأن الذي يقرب منها أولى بأن تكون نفيًا له مما بعد منه، والذي لا يقرب منها لا يجوز نفيه، لأنه إثبات للبعث والحشر وذلك لا يُنتفى، ففي الوقف عليها إشكال ظاهر، إذ لا يعلم ما نفت إلا بدليل آخر، فترك ذلك أحسن وأولى، وأبعد مما ذهب إليه الطبري، ما ذكره نصير في إجازته الوقف عليها من أن المعنى: (لا يسوغ لكم النقص) فجعلها بذلك ردًا على ما جاء في أول السورة، ويرد عليه ما سبق ذكره سيما مع زيادة البعد للمنفي.
ويسلمنا هذا كله إلى القول بترجيح الحمل في (كلا) على معنى (ألا) إذ به يحسن البدء، وإنما لم يحسن على معنى (حقًا) لأنه يلزم فتح (إن) المكسورة وهو ما لم يقرأ به أحد، كما أنه لا يجوز لأن اللام في خبرها [4] وقريب في جل ما سبق ما جاء في قوله تعالى: (ثم
(1) شرح كلا ص 44، 45.
(2) شرح كلا ص 52، 53.
(3) ينظر الطبري 29/ 60 مجلد 12.
(4) ينظر شرح كلا ص 53:55.