يقال هذا الذي كنتم به تكذبون. كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين .. المطففين/17، 18)، لذا فقد جرى مكي في تفسيره على أن معناه: ألا إن كتاب أعمالهم لفي عليين [1] .
وفي إشارات لافتة لمراعاة مقتضيات السياق في النسق القرآني يرى مكي في موضعي سورة عبس أن الوقف على (كلا) - يعني في قوله تعالى: (وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهى. كلا أنها تذكرة .. عبس/ 8 - 11) ، وقوله: (ثم إذا شاء أنشره .. عبس/22) - لا يحسن، أما الأول فلأنه يتضمن نفي ما حكى الله عز وجل من أمر النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن أم مكتوم، وأما الثاني فلأن فيه نفي البعث، لذا حسن البدء فيهما على معنى (ألا) ، أو على معنى (حقًا) في الثاني منهما، نظرًا لكسر همزة (إن) في أول الموضعين، وإلى الأخير في جعلها للتحقيق ذهب ابن فارس، وقال الحسن البصري في معناه: أي حقًا لم يقصد أي لم يعمل بما أمر [2] .
وفي تقديري أن هذا - لشدة تعلقه بما بعده ولما ذكره ابن الأنباري من قبح الوقف على (كلا) أولى بالاتباع من القول بإفادة الردع الذي قال به الزمخشري والقرطبي وأبو حيان والآلوسي والسيوطي ومن لف لفهم، وتكلفوا له بعد أن ساقه معظمهم بلفظ التمريض [3] .
والأداة (كلا) في قول الله تعالى في سورة النبأ: (كلا سيعلمون .. النبأ/4) ، وقوله في سورة التكاثر: (كلا سوف تعلمون .. التكاثر/3) ، (كلا لو تعلمون علم اليقين .. التكاثر/5) لا يحسن الوقف على شئ منها البتة، لأن الوقوف على الأولى في السورتين نفي لما قبلها ونفيه لا يجوز فإن روعي فيهما معنى التوكيد من التي تليهما في السورتين، أعني من قوله في سورة النبأ: (ثم كلا سيعلمون .. النبأ/5) ، وقوله في سورة التكاثر: (ثم كلا سوف تعلمون .. التكاثر/4) ، وجب أن تكون جملتي (سيعلمون) و (سوف تعلمون) الأخيرتين تأكيدًا للتين قبلهما مع مراعاة أنه لا يجوز التفريق بين بعض التأكيد وبعض، وهذا يستلزم وجوب وصل (كلا) المسبوقة بـ (ثم) في السورتين.
ويسوغ في سورة التكاثر جعل الثالثة (كلا لو تعلمون علم اليقين) تأكيدًا لسابقتيها، وأجاز بعضهم الوقف عليها على معنى لا يؤمنون بهذا الوعيد وهذا يستلزم الوقف على الأولى ليكون كلاهما للردع والزجر عن اشتغال الإنسان بما لا يعنيه [4] ويكون التكرار للتأكيد
(1) ينظر شرح كلا بهامشه ص 57.
(2) ينظر شرح كلا ص 51، 52 ومقالة كلا لابن فارس ص 16 ومعالم الاهتداء ص 165، 166 وتفسير أبي السعود 9/ 111 مجلد 4.
(3) ينظر الكشاف 4/ 218، 219 والبحر 8/ 428،429 والقرطبي 10/ 7215، 7255 وروح المعاني 30/ 79 مجلد 16 والجلالين 4/ 540، 542.
(4) وهو في النبأ زجر وردع على ما صدر منهم من الاختلاف في أمر البعث والنشور أو التساؤل عنهما على سبيل الاستخفاف والتهكم، وجملة (سيعلمون) استئنافية مسوقة لوعيد هؤلاء وتهديدهم، ولتعليل ردعهم وزجرهم عن تكذيبهم بالقرآن وجحودهم باليوم الآخر، يدل على ذلك قوله بعد: (إن يوم الفصل كان ميقاتًا .. النبأ/17) [ينظر شرح كلا ص 64 والمعالم ص 164] .