فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 65

النفي ثمانية معان [1] أكثرها اطرادًا هو مجيؤها للردع والزجر.

بعد أن ظهر ضعف القول بتركيب (كلا) وترجح ما ذكره سيبويه والخليل وأكثر البصريين من القول بحرفيتها وبساطتها .. تجدر الإشارة إلى أن ما ذكروه من قصر المعنى في (كلا) على الردع والزجر بحجة أن أكثر ما نزل ذلك في مكة, وأن أكثر العتو كان بها، ومن أن ذلك يستلزم أن يكون المقام المعبر عنه بـ (كلاّ) دائمًا وأبدًا مقام تهديد ووعيد .. فيه نظر، ذلك أن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتو بها لا عن غلبة، وإلا فكيف تأَتى الإيمان لأبي بكر وعليّ ومن نحا نحوهما ممن رقت قلوبهم لما نزل من الحق وآمنوا - لأول وهلة - بدعوة الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.

فحمل (كلا) على الردع والزجر، كذا على الإطلاق وعلى العموم - مع ما ذكرنا - فيه ما فيه من التكلف، الذي يدل عليه وعلى ما سبق ذكره، عدم ظهور معنى الزجر والردع في (كلاّ) المسبوقة في التنزيل بنحو (في أي صورة ما شاء ركبك .. الانفطار/8) ، (يوم يقوم الناس لرب العالمين .. المطففين/6) ، (ثم إن علينا بيانه .. القيامة/19) لمنافاة سياقات هذه الآيات وما جاء على شاكلتها مع مقامي التهديد والوعيد اللذين يستلزمهما معنى الردع والزجر، بل ولاختلافهما مع ما جاء بعدها في توجيه الخطاب وصورته، وإنا لواجدون مصداق ذلك عندما نقرأ ما جاء منها على الترتيب قول الله تعالى: (كلا بل تكذبون بالدين .. الانفطار/9) وقوله: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين .. المطففين/7) وقوله: (كلا بل تحبون العاجلة .. القيامة/20) ، حيث جاءت أولى آيتي الانفطار بصورة المفرد وجاء الخطاب فيها موجهًا لمطلق الإنسان الوارد ذكره في قوله قبل: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم .. الانفطار/6) ، بينا جاء في الآية التي تلتها وصدرت بـ (كلا) ، موجهًا لأهل مكة المكذبين بالقيامة والحساب .. كما جاء في أولى آيتي المطففين في سياق الحديث عن البعث، بينا جاءت الآية التي تلتها على الاستئناف، فـ (كلاّ) فيها في معني (ألا) الاستفتاحية، ولا يصلح جعلها لغير ذلك وإلا لاستلزم نفي البعث وهو ما لا سبيل للآية إليه .. وجاء في أولى آيتي القيامة في سياق الحديث عن عدم تمهل النبي صلى الله عليه وسلم لما يتلوه عليه جبريل عليه السلام من كلام الله، وجاء النسق الكريم فيما أعقبها متحدثًا عمن عجلت لهم الدنيا بخيرها وشرها وغيبت عنهم الآخرة، مما حاشاه صلى الله عليه وسلم - مع اختلاف السياق - أن يكون واحدًا منهم.

وابتناءً على ما سبق فقول من قال من المفسرين: فيما ذكر ردع عن ترك الإيمان بالتصوير في أي صورة ما شاء الله، وعن ترك الإيمان بالبعث، وعن العجلة بالقرآن

(1) هي على سبيل الإجمال: الردع، وبمعنى (حقًا) ، وبمعنى (نعم) و (لا) أو (بلى) أي حرف رد صلة لما قبلها، وبمعنى (ألا) الاستفتاحية، وللنفي الحقيقي أو المجازي جوابًا لكلام سابق، وبمعنى (إي) ، وصلة للقسم، وبمعنى (سوف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت