تعسف ظاهر، إذ لم يتقدم في الأولين حكاية نفي ذلك عن أحد، كما أن طول الفصل في الثالثة بين (كلاّ) وذكر العجلة يحول دون حمل المعنى على الردع والزجر حيث فصل بين قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به .. القيامة/16) وقوله: (كلا بل تحبون العاجلة .. القيامة/20) بثلاث آيات هي قوله: (إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه .. القيامة/17 - 19) ، فضلًا عن أن السياق نفسه - على ما هو ظاهر بأدنى تأمل في سابق الآيات ولاحقها - لا يعين على جعل المعنى كذلك.
يضاف إلى كل ما سبق في عدم جواز قصر المعنى في (كلاّ) على الردع والزجر، أن أول ما نزل من القرآن هو الخمس آيات الأولى من سورة العلق، ثم نزل: (كلا إن الإنسان ليطغى .. العلق/6) ، فجاءت بذلك في افتتاح كلام، فأنى لـ (كلا) أن يكون مجيئها للردع والزجر وهما يقتضيان كلامًا سابقًا يستدعي أن يزجر عنه؟ كذا أفاده ابن هشام في المغني والفيروزابادي في البصائر [1] وما ذكراه يعني بالضرورة أنه وإن ناسب أن يأتي المعنى في (كلا) مفيدًا الزجر والردع في كثير من الآيات الواردة فيها، فإن هذا لا يعني لزومها لهذين المعنيين في كل ما ورد في التنزيل، وهذا ما يميل إليه الباحث ويطمئن إليه ويرتضيه، إذ من الآيات الواردة فيها هذه اللفظة - حتى من غير ما ذكرنا على ما سيأتي في المبحث الثاني من هذه الدراسة - ما لا يتناسب البتة مع هذا المعنى.
ويعد ما ذكره صاحبا المغني والبصائر - في الحقيقة- ترجيحًا لما ارتآه أبو حاتم والكسائي والنضر بن شُميل من أن معنى الردع والزجر ليس مستمرًا فيها ومن أنها تأتي - أحيانًا- بمعنى (ألا) الاستفتاحية على ما ارتآه الأول ومتابعوه، وبمعنى (حقًا) على ما ذهب إليه الثاني ومتابعوه، وبمعنى (نعم) و (لا) أي حرف تصديق فيكون جوابًا على ما ارتآه الثالث ومتابعوه [2] ، وإن كان الأول -من بين هذه الثلاث أعني رأي أبي حاتم- هو الأكثر اطرادًا إذ لا يتأتى قول الكسائي ومن لف لفه في نحو قول الله تعالى: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين .. المطففين/7) ، وقوله: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين .. المطففين/18) ، وقوله: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون .. المطففين/15) ، لأن الحرف (إنّ) لا بد أن يكسر بعد (ألا) الاستفتاحية ولا يكسر بعد (حقًا) ولا بعد ما كان بمعناها [3] ، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم فإن اشتراك اللفظ بين الاسمية والحرفية قليل ومخالف للأصل ومحوِج لتكلف دعوى علة لبنائها، وليس الأمر كذلك بالنسبة لـ (حقًا) التي لا تأتي إلا منونة على ما هو العكس من (كلاّ) ، وقد أخطأ
(1) ينظر المغني 1/ 320 والبصائر 4/ 381 كما ينظر معترك الأقران 2/ 194 ومعالم الاهتداء ص 140.
(2) وإن كان ما ارتآه بعضهم لا يخلو عن كدر لقولهم بلزوم ذلك دائمًا.
(3) قال الدماميني: وهذا إن ارتبط ما بعد (حقًا) به أو بما قبله، أما إذا جعل (حقًا) راجعًا لما قبل و (انّ) مستأنفة، فالواجب الكسر كما في نحو (إليه مرجعكم جميعًا وعد الله حقًا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده .. يونس/4) في قراءة الجماعة بكسر (إن) ، لكن رجوع حقية (كلاّ) لما قبلها يبعد اطراده، كذا نص عليه الأمير في حاشيته على المغني 1/ 160.