الشوكاني خطًا فادحًا حين ذكر في حق آية المطففين ما نصه:"عند أبي حاتم أن (كلاّ) بمعنى حقًا متصلة بما بعدها، على معنى: حقًا إن كتاب الفجار لفي سجين" [1] ، ففاته بذلك الصواب مرتين مرة حين نسب القول باستخدام (كلاّ) بمعنى (حقًا) إلى أبي حاتم بينا هو في الحقيقة منسوب للكسائي، ومرة أخرى حين حمل عليه معنى الآية الكريمة، بينا هي في مثل هذه الآية لا تكون كذلك لكسر الهمزة بعد الأداة (كلا) ، وما أكثر الأخطاء التي وقع فيها أهل التأويل بسبب عدم مراعاة هذه الفروق الدقيقة وعدم جعلها في الاعتبار.
هذا وكما لا يتأتى قول الكسائي في نحو قوله تعالى: (كلاّ إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون .. المؤمنون/100) ، وقوله: (كلاّ إن معي ربي سيهدين .. الشعراء/62) لذات السبب يعني لما سبق ذكره من أن لو كانت بمعنى (حقًا) لفتحت همزة (إنّ) لأن (إن) تفتح همزتها وجوبًا بعد (حقًا) وهي هنا مكسورة .. لا يصح كذلك أن تكون (كلاّ) في الآيتين المذكورتين حرف جواب كما هو مذهب النضر والفراء ومن تبعهما، لأنها لو كانت حرف جواب لاختل المعنى فيهما، ولدلت في آية المؤمنون على الوعد بالرجوع إلى الدنيا، لأن (نعم) أو ما في معناها كـ (إي) إذا وقعت بعد الطلب دلت على الوعد فإن قيل لك: (أعط فلانًا كذا) فقلت: نعم كان قولك (نعم) وعدًا بالإعطاء، و (كلاّ) في آية المؤمنون وقعت بعد الطلب وهو (ارجعون) ، وعليه فلو حملناها على معنى (نعم) لكانت وعدًا من الله عز وجل بالرجوع إلى الدنيا والله تعالى لم يعد أحدًا بالرجوع إلى الدنيا، لأن سنته الماضية في عباده التي سبقت بها إرادته وعلمه أن أحدًا ما لا يرجع إلى الدنيا بعد مفارقتها، فحينئذ لا يصح حمل (كلاّ) في الآية الكريمة على هذا المعنى، وإذا بطل أن تكون بمعنى (حقًا) وبمعنى (نعم) تعين أن تكون إما للردع والزجر، وإما للاستفتاح وهذان المعنيان لا ينبو عنهما لفظ الآية ولا ينفر منهما معناها.
والشئ بالشئ يذكر، فما قيل في آية المؤمنون يقال مثله في قوله من سورة الشعراء: (قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلاّ إن معي ربي سيهدين .. الشعراء/61, 62) ، أما عدم جواز جعلها بمعنى (حقًا) فلما سبق من أن لو كانت بمعنى (حقًا) لتعين فتح الهمزة بعد (كلاّ) ، بينا هي بعدها في الآية الكريمة مكسورة، وأما عدم جواز جعلها بمعنى (نعم) - كما هو مذهب الفراء - فلأن (نعم) بعد الخبر تدل على التصديق ولا يصح إرادة التصديق هنا لأنه سيترتب عليه أن يكون المعنى (أنتم مدركون) وليس ذلك معنى الآية، فيتعين أن تكون (كلاّ) في هذا النظم الكريم أيضًا إما بمعنى الردع والزجر وإما بمعنى الاستفتاح، فقد تحقق في هذين الموضعين مذهب أبي حاتم دون مذهب الكسائي والفراء, الأمر الذي يعني - على ما ارتضاه ابن هشام - أن مذهب أبي حاتم هو الأكثر اطرادًا والأوسع تناولًا [2] .
(1) فتح القدير للشوكاني 5/ 399.
(2) ينظر مغني اللبيب 1/ 320، 321 كما ينظرالبصائر 381، 382 ومعالم الاهتداء ص 140 - 143.