فهي من المحكي بالقول ويجوز أن يكون معترضة من كلام الله في القرآن إبطالا لتكذيبهم المذكور" [1] ، وهو في مجمله في معنى ما ذكره الآلوسي، غير أنه يصب - على ما هو مفاد كلامه - في تأكيد ما جاء في قول الله تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) ."
وأيًّا ما كان فالوجه فيه أن يجعل قسيما لما في شبيهها فتحصل مقابلة وعيد الفجار بوعد الأبرار وتلك من عادة القرآن فهو كثيرًا ما يعقب الإنذار بالتبشير والعكس، لأن الناس راهب وراغب، فالتعرض لنعيم الأبرار إدماج اقتضته المناسبة وإن كان المقام من أول السورة مقام إنذار وتعجب وتنبيه عن خطأ وغفلة.
والشئ بالشئ يذكر فقد جاء القول الحكيم (كلا لا تطعه .. العلق /19) ـ على حد ما ذكر أهل التأويل - ردعًا للّعين أبي جهل بعد ردع، وزجرًا له إثر زجر والقصد من تصديره بـ (كلا) "إبطال ما تضمنه قوله (فليدع ناديه .. العلق /17) أي ليس بفاعل، وهذا تأكيد للتحدي والتعجيز" [2] ومراده مع ما تقدم من قوله (أرأيت الذي ينهى .. العلق/9) إلخ: لا تترك صلاتك يا محمد في المسجد الحرام وإن فعل هذا الجاهل ما فعل ولا تخش منه ولا تخفه ولا تحذره فإنه لن يضرك، وأطلقت الطاعة على الحذر الباعث على الطاعة على طريق المجاز المرسل، وأكد قوله (لا تطعه) بجملة (واسجد) بعدها اهتماما بالصلاة فهو على ظاهره، أو هو مجاز عن الصلاة، ووجه العطف عليه بقوله (واقترب) التنويه بما في الصلاة من مرضاة الله تعالى، وفي التعبير عن الاقتراب بصيغة الافتعال إشعار بمعنى التكلف والتطلب أي اجتهد في القرب إلى الله وابتغ الأجر والثواب منه بالصلاة [3]
هذا وقد سبق أن أشرت إلى أن أهل العلم تنبهوا لهذا الغرض عند تعرضهم لأول ما نزل لقرآن فذكروا أن قوله من سورة العلق: (كلا إن الإنسان ليطغى .. العلق/6) ، نزل في وقت لاحق من نزول الخمس آيات الأولى من السورة،"فدل ذلك على أن الابتداء بـ (كلا) ، من طريق الوحي، فهي في الابتداء بمعنى (ألا) ولا تستعمل .. في هذا المعنى إلا في الابتداء بها" [4] .
واستشف بعضهم من ذلك أنها تكون بمعنى (ألا) وأنه إنما يؤتى بها لاستفتاح الكلام لا غير وذلك ما جنح إليه أبو حاتم .. وفيما قاله نظر وحسبنا في رد ما ذكره، ما سبق إيراده
(1) التحرير 20/ 202 مجلد 15.
(2) التحرير 30/ 453 مجلد 15، وينظر إرشاد العقل السليم 9/ 181 مجلد 4 وروح المعاني 30/ 336 مجلد 16.
(3) ينظر التحرير 30/ 453 مجلد 15.
(4) شرح كلا وبلا ونعم لأبي محمد مكي بن أبي طالب ص 26.