وقريب مما سبق، تأتي الآية الكريمة في سورة المطففين: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون .. المطففين/ 15) ومعطوفاتها (ثم إنهم لصالوا الجحيم. ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون .. المطففين /16، 17) بعد قوله: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون .. المطففين /14) ، فقد جاء النظم الكريم (كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) ، مصدرًا بـ (كلاّ) التي هي للزجر بقصد ردع أهل الكفر عند قولهم عن الآيات المتلوة على مسامعهم (أساطير الأولين) وذلك إبطالًا لقولهم، وتلا ذلك الحرف (بل) الذي دل هو الآخر على الإبطال، تأكيدًا لمضمون (كلاّ) وكشفًا عما حملهم على أن يقولوا في القرآن ما قالوا، وبيانًا لما أعمى بصائرهم من الرين .. ثم أعقب كل هذا - إمعاناُ في تقرير ذلك وتأكيده - بقوله: (كلاّ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) فـ" (كلاّ) الثانية - على حد ما ذكر ابن عاشور - تأكيد لـ (كلاّ) الأولى"، وقد جئ بها"زيادة في الردع ليصير توبيخًا" [1] .
وفي إطار التأكيد على ما سبق اشتمل هذا القول الحكيم وما عطف عليه، على أنواع ثلاثة من الويل هي: الإهانة والعذاب والتقريع مع التيئيس من الخلاص من العذاب، أما الإهانة فحجْبُهم عن ربهم، وأما العذاب فهو ما في قوله: (ثم إنهم لصالوا الجحيم) ، وقد عطفت جملته بـ (ثم) الدالة على عطفها الجمل على التراخي الرتبي وهو ارتقاء في الوعيد لأنه وعيد بأنهم من أهل النار وذلك أشد من خزي الإهانة، وأما التقريع مع التيئيس فهو مضمون جملة (ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون) وقد دلت عطف جملتها بـ (ثم) على ما دلت عليه سابقتها، كما دل اسم الإشارة على أنهم صاروا إلى العذاب، ودل الإخبار عن العذاب بأنه الذي كانوا به يكذبون، على أنه العذاب الذي تكرر وعيدهم به وجحودهم إياه وهو ما يستلزم خلودهم فيه، وذلك أشد من الوعيد، وبذلك كان مضمون هذه الجملة أرقى رتبة في الغرض من مضمون الجملة المعطوفة هي عليها.
والنكتة في التعبير بالاسم الموصول التذكير بتكذيبهم به في الدنيا تنديمًا لهم وتحزينًا، وفي تقديم شبه الجملة (به) على (تكذبون) اهتمام بمُعاد الضمير مع الرعاية على الفاصلة [2] .
وفي روح المعاني أن (كلاّ) في قوله بعد: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين .. المطففين/ 18) وما أعقبه، هي"تكرير للردع السابق في قوله تعالى: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين .. المطففين / 7) ، ليُعقب بوعد الأبرار كما عُقّب ذلك بوعيد الفجار، إشعارًا بأن التطفيف فجور والإيقاء بر" [3] ، وهو إن سلم يكون داخلا في مقام التقرير والتأكيد على ما سبق أيضا، وبرأي الطاهر هي"ردع لما تضمنه ما يقال لهم (هذا الذي كنتم به تكذبون) ، فيجوز أن تكون .. مما قيل لهم مع جملة (هذا الذي كنتم به تكذبون) ، ردعا لهم"
(1) التحرير 30/ 200 مجلد 15.
(2) ينظر التحرير 30/ 200: 202 مجلد 15.
(3) روح المعاني 30/ 131 مجلد 16.