فتذكروا، وفي هذا من إقامة الحجة والتسجيل عليهم بقبيح فعالهم ما فيه وما لا يخفى على عاقل.
ومما هو صريح في تأكيد المعنى وتقريره لما فيه من تكرير، ما جاء في سياق الآيات الكريمة من سورة النبأ: (ثم كلا سيعلمون) بعد قوله (كلا سيعلمون) ، فهو"تكرير للردع والوعيد للمبالغة في التأكيد والتشديد، و (ثم) للدلالة على أن الوعيد الثاني أبلغ وأشد، وقيل الأول عند النزع والثاني عند القيامة، وقيل الأول للبعث والثاني للجزاء، وقرئ (ستعلمون) بالتاء على نهج الالتفات إلى الخطاب الموافق لما بعده من الخطابات تشديدا للردع والوعيد لا على تقدير: (قل لهم) كما تُوهم فإن فيه من الإخلال بجزالة النظم الكريم مالا يخفى" [1]
ونظير ذلك ما ورد في قوله جل شأنه من سورة التكاثر: (كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون. كلا لو تعلمون علم اليقين. لترون الجحيم .. التكاثر /3 - 6) .. فإن حرف الزجر (كلا) وإن دل في المرة الأولى على ردع العاقل عن الاشتغال بما لا يعنيه عما يعنيه وتنبيهه إلى ما ينبغي أن لا يكون مقصورًا عليه معظم همّه من التلهي بالدنيا والتفاخر فيها بالكثرة، وبيان أن عاقبة ذلك وخيمة .. فقد جاء حرف الردع في المرة الثانية بقصد التأكيد الذي أوضحه ودل عليه بصورة أبلغ حرف العطف (ثم) فصار الأمر فيه أشبه بما يقوله العظيم لعبده: (أقول لك ثم أقول لك، لا تفعل) ، فعطفه في الآية بحرف (ثم) اقتضى كونه أقوى من الأول لأنه أفاد تحقيق الأول وتهويله .. ولكونه أبلغ فقد نزل منزلة المغايرة فعطف .. ثم أعيد الزجر للمرة الثالثة في قوله سبحانه: (كلا لو تعلمون علم اليقين) ، زيادة في إبطال ما هم عليه من اللهو عن التدبر في أقوال القرآن لعلهم يقلعون عن انكبابهم على التكاثر بما هم يتكاثرون فيه وينصرفون عن لهوهم به إلى دعوة الحق والتوحيد، والجملة الأخيرة أضافت وأفادت - إلى ما سبق - التهويل والإزعاج بحذف جواب (لو) منها، إذ بحذفه تذهب النفوس في تقديره كل مذهب، والمعنى: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر المتيقن أي كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور، لتبين لكم حال مفظع عظيم، أو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه، أو لشغلكم ذلك عن التكاثر وغيره، وهو - على إيٍّ من التقديرات - بيان لما في (كلا) من الزجر .. وعلى القول بأن الزجر الأول في القبور أو الموت والثاني في النشور، يكون التكرير بين الثاني والثالث وحسب كذا ذكر أهل العلم.
والحق أن هذا من مستتبعات التراكيب، والتعويل على معونة القرائن إنما يكون بتقدير مفعول خاص لكل من فعلَى (تعلمون) الأول والثاني، ومفاد التكرير حاصل على أي حال [2] .
(1) تفسير أبي مسعود 9/ 86 مجلد 4.
(2) ينظر تفسير الآلوسي 30/ 403 مجلد 16 والتحرير 30/ 521 مجلد 15.