يضرب البحر (فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) فمرت بطرقه أسباط بني إسرائيل, والنكتة في حذف الفعل (فضرب) المقدر الإشارة إلى سرعة امتثاله عليه السلام, ووجه اقتصارها على نفسه أن طريق نجاتهم بعد أن أدركهم فرعون وجنده لا يحصل إلا بفعل يقطع دابر العدو، وهذا الفعل خارق للعادة فلا يقع إلا على يد رسول, وهذا وجه اختلاف المعية بين ما في هذه الآية وبين ما في قوله تعالى في قصة الغار: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا .. التوبة/40) ، لأن تلك معية حفظهما كليهما بصرف أعين الأعداء عنهما.
وإنما قدم الظرف في آية الشعراء لأجل الاهتمام بأمر المعية التي هي مدار النجاة المطلوبة. وقيل للحصر, وقيل لأن المخاطب فيها بنو إسرائيل وهم أغبياء لا يعرفون الله عز وجل إلا بعد النظر والسماع من موسى عليه السلام, بينما المخاطب في آية التوبة هو الصديق وهو ممن يرى الله قبل كل شئ، وأيضًا لاختلاف المقام، نظم نبينا صلى الله عليه وسلم صاحبه معه في المعية ولم يقدم له ردعًا ولا نفيًا بل خاطبه على نحو مخاطبة الله تعالى له صلى الله عليه وسلم عند تسليته بما صورته النهى عن الحزن, ولم يكن كلام موسى عليه السلام ومخاطبته لقومه على هذا النحو وسبحان من هذا كلامه.
نوه لهذا الغرض الزجاج فذكر فيما نقله عنه ابن يعيش - في المفصل 9/ 16 - بأن" (كلا) ردع وتنبيه, وذلك قولك لمن قال لك شيئًا تنكره نحو: (فلان يبغضك وشبهه) أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه"، ثم ذكر من شواهد القرآن في ذلك قوله تعالى في سورة الفجر: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهانن. كلا .. الفجر/15 - 17) , وقال معلقًا ومبينًا علة ووجه الدلالة على هذا الغرض:"أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح"، وتلك حقيقة لا يعلم الحكمة من ورائها على وجه الدقة والتفصيل سوى علام الغيوب سبحانه وإن ذكر فيما أعقب ذلك من آيات، بعض الأسباب الظاهرة التي بها تتهيئ النفس البشرية لتقبله.
وتجدر الإشارة إلى أن مناط الردع الحاصل من التعبير بـ (كلا) والمستوجب التنبيه فيه على الخطأ هو قول الإنسان: (ربى أكرمن) عقيب إكرام الله له وإنعامه عليه, وقوله: (ربى أهانن) بعيد ابتلائه بقلة الرزق أو بشظف العيش فهو إذا تُفضِّل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضيل الله تعالى وإكرامه, وإذا لم يُتفضل عليه سمى ترك التفضيل هوانا وليس به, وما ذلك منه إلا تأول باطل إذ ليس حالة الإنسان في الدنيا دليلًا على منزلته عند الله, وإنما يعرف ذلك بالطرق التي أرشد سبحانه إليها من نحو قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا .. الكهف/103 - 105) فرب رجل في نعمة في الدنيا هو مسخوط عليه, ورب أشعث