فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 65

موسى عليه السلام مع اللعين فرعون متمثلة هذه المرة في قوله تعالى في نفس السورة: (فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربى سيهدين .. الشعراء/61, 62) ومشتملة أيضًا على (كلا) المفاد منها نزع الخوف من صدر موسى وأصحابه, وطمأنته عليه السلام بإحلال معيته سبحانه الخاصة ورعايته المنوطة بأوليائه ونصراء دعوته على النحو السابق .. بله أن تلك المعية لازَمته فيما سبق في مقام المحاورة مع فرعون والمجادلة بالتي هي أحسن والمجاذبة لأطراف الحديث أملًا في هدايته وطمعًا في إسلامه, بينا لازمته هذه المرة إبان مواجهته ومجابهته بعد أن أدى عليه السلام رسالته وأقام من خلال الآيات التي أجراها الله على يديه حجته، فكانت النهاية التي أجملها القرآن في قوله: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسأل بنى إسرائيل إذ جاءهم فقال لهم فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا. قال قد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا. فأراد أن يستفزه من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعًا .. الإسراء/101 - 103)

والآيات هنا تحكي ما حاصله أن موسى عليه السلام لما طال به المقام ببلاد مصر وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملإه دون جدوى، دعا عليهم بقوله: (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم .. يونس/88) وأجاب الله دعاءه فأمره أن يخرج ببني إسرائيل ليلًا من مصر وأن يمضى بهم حيث يؤمر دون إذن من فرعون, الأمر الذي أثار حفيظته، وكان هذا الفرعون الجبار العنيد قد تسلط عليهم يستعملهم في أخسّ الأعمال ويكدهم ليلًا ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع ذلك أبناءهم ويستحي نساءهم إهانة لهم واحتقارًا, وخوفًا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته منه فيكون هلاكه وذهاب دولته على يديه.

وقد كان. فقد أغرقهم الله في اليم الذي فرقه الله لموسى فجاوزه هو ومن معه من بنى إسرائيل وأقر أعينهم وهم ينظرون إلى فرعون وجنده وقد أغرقوا في صبيحة يوم واحد, وأورثهم بعد ذلك ديارهم وأموالهم وملكهم بعد أن أخرجهم الله منها, كما قال: (فأخرجناهم من جنات وعيون. وكنوز ومقامًا كريم. كذلك وأورثناها بنى إسرائيل. فأتبعوهم مشرقين. فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربى سيهدين. وأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم. وأزلفنا ثم الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين. إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين .. الشعراء/57 - 67) . فورود (كلا) - على ما هو متضح من جو السورة - إنما جاء على لسان موسى لأصحابه إرشادًا إلى أن تدبير الله عز وجل يغنى عن تدبيره, ونفيًا بشدة لما تأكد على ألسنتهم من قولهم: (إنا لمدركون) كذا بـ (إنّ) واللام وإسمية الجملة, وبثًا للطمأنينة في نفوسهم ثقة بموعود الله وتأييده ونصره .. يدل عليه إسناد المعية إلى الرب في (إن معي ربي) ذلك الإسناد المشعر بمصاحبة لطف الله به وعنايته بتقدير أسباب نجاته من عدوه, فقد أمر الله موسى أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت