فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 65

يؤيد ما اخترناه جملة (إنا معكم مستمعون) ، فقد جاء في (معكم) بالضمير العائد إلى موسى وهارون وفرعون ليدل على أنه سبحانه شاهد لهما عليه, كما آثر النظم اصطفاء كلمة (مستمعون) التي هي أشد مبالغة من (سامعون) لكون أصل الاستماع: تكلف السماع والتكلف كناية عن الاعتناء، فكأنه أراد بمعية العلم هنا معية علم خاص بما يجرى بينهما وبين فرعون وملئه وهو العلم الذي توافقه العناية واللطف, بل والبشارة بعلو أمرهما واتباع القوم لهما.

فالنظم الكريم على هذا كناية عن عدم إهمال تأييدهما وعن كف فرعون عن أذاهما وهو مع هذا تعليل لنفي الخوف, ومزيد تسلية لهما بضمان كمال الحفظ والنصرة كقوله تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى .. طه/46) [1] , ولا يبعد أن يكون قوله: (إنا معكم مستمعون) "من مجاز الكلام يريد: أنا لكما ولعدوكما, كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجرى بينكما وبينه, فأظهركما وغلّبكما وكسر شوكته عنكما ونكسه" [2] , وإنما لم يوصف سبحانه على هذا الوجه بالمستمع على الحقيقة, لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء والله منزه عنه، كما أن الاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية كما في قوله تعالى: (قل أوُحى إلىّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبا .. الجن/1) , ويقال: استمع إلى حديثه وسمع حديثه: أي أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع [3] ويرى البعض أن جملة (إنا معكم مستمعون) استعارة تمثيلية, مثل سبحانه حاله عز وجل بحال ذي الشوكة قد حضر مجادلة قوم يستمع ما يجرى بينهما ليمد أولياءه ويظهرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة, ولا تجوّز على هذا الوجه في شئ من مفرداته ولا يكون (مستمعون) مطلقا عليه تعالى فلا يحتاج إلى جعله بمعنى سامعين, وجوز آخرون أن يكون (إنا معكم) فقط تمثيلًا لحاله عز وجل في نصره وإمداده بحال من ذكر, ويكون الاستماع مجازًا عن السمع، وهو بحسب ظاهره لكونه لم يطلق عليه سبحانه كالسمع, والقرينة استحالة حضوره - تعالى شأنه - في مكان.

وأبعد النجعة من حمل المعية والاستماع على حقيقتهما وجعل المراد بهما الملائكة، إذ لا بد في الكلام على هذا التقدير من إرادة الإعانة والنصرة وإلا فمجرد معية الملائكة عليهم السلام واستماعهم لا يطيّب قلب موسى عليه السلام.

وأيا ما كان فالظرف في موضع الخبر لـ (إنّ) ، و (مستمعون) خبر ثان, أو الخبر (مستمعون) والظرف متعلق به, أو متعلق بمحذوف وقع موقع الحال من ضميره وتقديمه للاهتمام أو للفاصلة أو للاختصاص بناء على أن يراد بالمعية الاستماع في حقه سبحانه.

وتأتى اللقطة الثانية لذلك المشهد الذي يصور طرفًا آخر من قصة الصراع التي عايشها

(1) ينظر السابق وينظر الآلوسي 19/ 99 مجلد 11.

(2) الكشاف 3/ 107.

(3) ينظر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت