تكذيبهم إياه، وضيق صدره منهم، وامتناع انطلاق لسانه جراء تلجلجه بسبب ذلك -على نحو ما يشاهد في كثير من الفصحاء إذا اشتد غمهم وضاقت صدورهم، حتى لا تكاد تبين عن مقصود كلامهم- هذا إن قلنا: إن تعلله بذلك إنما كان بعد دعائه عليه السلام بحل العقدة واستجابة الله تعالى له بإزالتها بالكلية، وقيل إن المزال منها فقط هو ما يمنع من أن يفقه قوله عليه السلام وإن بقى له منها يسير لكنة .. وأيا ما كان, فالمراد من ضيق الصدر ضيق القلب وعبر عنه بما ذكر مبالغة ويراد منه الغم.
ثم هذا الكلام منه عليه السلام ليس تشبثًا بأذيال العلل والاستعفاء عن امتثال أمره عز وجل وتلقيه بالسمع والطاعة, بل هو تمهيد عذر في استدعاء عون الله له على الامتثال وإقامة الدعوة على أتم وجه، يدل عليه قوله: (فأرسل إلى هارون) ، إذ في الإرسال إليه حصول هذه الأغراض كلها، وكان موسى عليه السلام قد قتل القبطي خباز فرعون بالوكزة التي ذكرها، فتسمية ذلك ذنبًا إنما هو بحسب زعمهم بما ينبئ عنه قوله تعالى لهم: (فأخاف) أي إن أتيتهم وحدي (أن يقتلون) بسبب ذلك، ومراده بهذا استدفاع البلية وخوف فوات مصلحة الرسالة وانتشار أمرها كما هو اللائق بمقام أولى العزم من الرسل عليهم السلام، فإنهم يتوقون لذلك كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه (والله يعصمك من الناس) .
وفى الكشاف أنه عليه السلام"فرَق أن يقتل قبل أداء الرسالة .. والدليل عليه ما جاء بعده في قوله: (كلا فاذهبا) من كلمة الردع والموعد بالكلاءة والدفع، لأنه استدفعه بلاءهم فوعده الدفع بردعه عن الخوف, والتمس منه المؤازرة بأخيه فأجابه بقوله (فاذهبا) أي اذهب والذي طلبته وهو هارون" [1] انتهى من كلام الزمخشري، بله إن تفسيره بعد، لآية (كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون) ، وقوله:"كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون" [2] , كذا بما قد يفهم منه الشدة ويشتمّ منه التغليظ في القول، يتنافى مع سياق الآيات ومع ما توحي به من بث الطمأنينة في قلبي النبيين الكريمين موسى وهارون عليهما من الله الصلاة السلام.
وأرى مع ابن عاشور أن"الجمع بين قوله (بآياتنا) ، وقوله: (إنا معكم مستمعون) تأكيد للطمأنينة ورباطة لجأشهما" [3] وأن (كلا) حرف إبطال ونفي لقوله: (فأخاف أن يقتلون) أي كلا لن يقتلوك، وفى هذا الإبطال استجابة لما تضمنه قوله: (ولهم علىّ ذنب وأخاف أن يقتلون) من التعريض بالدعاء وسؤال النصر والتأييد أن يكفيه شر عدوه حتى يؤدى ما عهد الله إليه على أكمل وجه, وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (اللهم إني أسألك نصرك ووعدك, اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض) " [4] ."
(1) الكشاف 3/ 107 وينظر روح المعاني 19/ 97،98 مجلد 11.
(2) الكشاف 3/ 107.
(3) التحرير والتنوير 19/ 109 مجلد 9.
(4) ينظر السابق 19/ 107، 108 مجلد 9.