فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 65

ينقطع ثماره صيفا وشتاءً، كما امتن الله عليه بنعمة البنين الذين وصفهم القران بأنهم شهود، لأنهم لم يكونوا يفارقونه فهو مستأنس بهم لا يشغل باله بمغيبهم وكانوا يشهدون معه المحافل فكانوا فخرًا، وقد قيل أنهم كانوا عشرة بنين وقيل ثلاثة عشر أبناء منهم ثلاثة أسلموا وهم خالد بن الوليد والوليد وهشام، فلما طمع - على ما عليه من كفر وعناد - في طلب المزيد كان الجواب: (كلاّ) ، ردعا له واستبعادًا واستنكارًا لطمعه وحرصه، لمنافاة ما كان يطمع فيه مع كفران النعم ومعاندة المنعم والمقصود إبلاغ هذا إليه مع تطمين النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوليد سينقطع عنه مدد الرزق لئلا تكون نعمته فتنة لغيره من المعاندين، فيغريهم حاله بأن عنادهم لا يضرهم لأنهم لا يحيون بعد هذه، كما حكى الله من قول موسى عليه السلام (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم .. يونس/ 88) .

وفي هذا الردع إيذان بأن كفران النعمة سبب لقطعها كما قال تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد .. إبراهيم/7) ، وجاء قوله بعد (إنه كان لآياتنا عنيدًا) كالتعليل لما قبله فكأنه قيل: لم زجر عن طلب المزيد وما وجه عدم لياقته؟ فقيل: لأنه كان معاندًا لآيات المنعم التي هي دلائل توحيده أو آيات كتابه حيث قال فيها ما قال، والمعاندة تناسب الإزالة وتمنع من الزيادة وهو ما حدث بالفعل، قال مقاتل: ما زال الوليد بعد زوال هذه الآية في نقص من ماله وولده حتى هلك [1] .

ومجيئ كلا لهذا الغرض عرض له أيضا كثير من أهل اللغة لظهوره في نحو قوله تعالى: (كلا والقمر) قال في الصاحبي:"وربما كانت - يعني كلا مع إفادتها لمعنى الردع والزجر - صلة ليمين كقوله جل ثناؤه"وذكر الآية ثم علق عليها بقوله:"وهي وإن كانت صلة ليمين، راجعة إلى ما ذكرناه قال الله جل ثناؤه (كلا لا تطعه) فهي ردع عن طاعة من نهاه عن عبادة الله جل ثناؤه ونكتة بابها النفي والنهي". انتهى من كلام ابن فارس [2] ومؤدي ما قاله أن دلالة (كلا) على الردع لا يمنع جعلها للقسم، وفيما قاله نظر لما سبق أن ذكرنا من أن كلا في قوله تعالى: (كلا والقمر) لا تعلق لها بما قبلها، وهذا يمنع أن تكون للردع، ويقال أن معنى (كلا والقمر) ألا والقمر كذا كان أبو زكريا الفراء يقوله [3] .

وفي إشارة لافتة إلى ما أوضحت قال الرضي في شرحه على الكافية:"وقد تكون كلا بمعنى حقا كقوله تعالى (كلا والقمر) و (وكلا إن الإنسان ليطغى) فيجوز أن يجاب"

(1) روح المعاني 29/ 209 ـ 211 مجلد 16، والتحرير 19/ 203 ـ 205.

(2) الصاحبي لابن فارس ص 250.

(3) دراسات عضيمة القسم الأول 2/ 392.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت