أغبر مطرود بالأبواب لو أقسم على الله لأبره, وبذا يظهر أن مناط الردع المدلول عليه بـ (كلا) والمراد له التصويب والتنبيه هو جعل الإنعام علامة على إرادة الله إكرام المنعَم عليه وجعل التقتير علامة على إرادة الإهانة وإلا لو شاء إهانة الكافر في الدنيا لأجل الكفر, لأهان جميع الكفرة بتقتير الرزق عليهم.
ويفاد من ذلك أن لا تنافى بين إثبات إكرام الله الإنسان بقوله (فأكرمه) وبين إبطال ذلك بقوله: (كلا) لأن الإبطال وارد على ما قصده الإنسان بقوله (ربي أكرمن) ، والوجه في عدم تعرض القرآن لتبيين ذلك ومجيئه هكذا على نحو مجمل .. الاكتفاء بتذييل أحوال الأمم الثلاث عاد وثمود وفرعون في نعمتهم بقوله: (إن ربك لبالمرصاد) بعد قوله: (فصب عليهم ربك سوط عذاب) .
وإنما صدر قوله بعد (بل لا تكرمون اليتيم. ولا تحاضّون على طعام المسكين. وتأكلون التراث أكلًا لما. وتحبون المال حبًا جما .. الفجر/17 - 20) بحرف (بل) للإضراب الانتقالي وللترقي من ذم الإنسان بالقبيح من القول إلى الأقبح من الفعل، وللتنبيه على ظنهم بأنهم وإن أكرمهم الله فإنهم لم يكرموا عبيده شحًا بالنعمة، إذ يحرمون أهل الحاجة من فضول أموالهم ويستزيدون من المال ما لا يحتاجون، وجاء ذلك في صورة ما يعرف بلاغة بالاحتباك، لأنه لما نفى إكرامهم اليتيم وقابله بنفي حضهم على طعام المسكين المستلزم لنفى إطعامهم, علم أنهم لا يحضون أولياء الأيتام على إكرام أيتامهم.
والنكتة في مجئ الالتفات إلى الخطاب بعد الغيبة تشديد التقريع وتأكيد التشنيع والقصد إلى مواجهتهم بشحهم على المال فضحًا لدخائلهم على نحو ما جاء في قوله تعالى: (يقول أهلكت مالًا لبدا. أيحسب أن لم يره أحد .. البلد/6 - 7) ، ولا يخفى ما أضفته استعارة أكل التراث للانتفاع بالشيء انتفاعًا لا يبقى منه شيئا, وكذا استعارة الجمّ الموصوف به حب المال، والمعروف في لغة العرب بالكثرة, لمعنى القوى الشديد .. على هذه المعاني التي أفادها الالتفات, وما أحدثته من أثر بالغ حتى يرعوي عن الوقوع فيما يشبه معاندة قضاء الله وقدره من كان له قلب، ويتنبه لخطورة ذلك ويصحح من سلوكه فيرضى - من ثم- بما يُرضي ربه.
ومن شواهد القرآن في التنبيه على الخطأ والقصد إلى تصحيحه وتصويبه من خلال حرف الردع والزجر ما جاء في قوله سبحانه: (بل تحبون العاجلة. وتذرون الأخرة. وجوه يومئذٍ ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذٍ باسرة. تظن أن يفعل بها فاقرة. كلا إذا بلغت التراقي. وقيل من راقٍ. وظن أنه الفراق. والتفت الساق بالساق. إلى ربك يومئذٍ المساق .. القيامة/20 - 30) فقد جاءت (كلا) في سياق هذا النظم الكريم ردعاُ لأولئك الذين أشربت قلوبهم بحب الدنيا وإيثار العاجلة على الآخرة كأنه قيل: ارتدعوا يا قوم وتنبهوا إلى ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة وتنتقلون إلى الآجلة, فيكون الحرف بمثابة التحذير والتنبيه على حتمية ترك محبة العاجلة وعلى العناية بما هو أبقى .. وليس الردع في قوله: (كلا بل تحبون العاجلة) للتأكيد على سؤال الإنسان (أيان يوم