فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 65

من مقامات (كلاّ) في آي التنزيل، وإن حسن مجيئُها لهذا الغرض أحيانًا.

ففي هذه الآية الكريمة من سورة العلق يكاد الإجماع أن يكون منعقدًا على كونها بمعنى (ألا) ، والحق أن مجيئها على هذا النحو - بالنظر إلى أصل معناها - هو على خلاف الأصل، لأن الأصل فيها أن تقع بعد كلام سابق لإبطاله بالزجر عن مضمونه، يقول ابن عاشور في تحرير هذه القضية وفي تعليقه على ما جاء في قوله سبحانه (كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى. إن إلى ربك الرجعى. أرأيت الذي ينهى. عبدا إذا صلى .. العلق /6 - 10) : إن هذه الآيات جاءت في صورة"استئناف بياني لظهور أنه في غرضه لا اتصال له بالكلام الذي قبله، وحرف (كلا) ردع وإبطال، وليس في الجملة التي قبله ما يحتمل الإبطال والردع، فوجود (كلا) في أول الجملة دليل على أن المقصود بالردع هو ما تضمنه قوله: (أرأيت الذي ينهى. عبدا إذا صلى) الآية"، ويستطرد قائلًا:"وحق (كلا) أن تقع بعد كلام لإبطاله والزجر عن مضمونه، فوقوعها هنا في أول الكلام يقتضي أن يكون معنى الكلام الآتي بعدها حقيق بالإبطال وبردع قائله" [1] والقول في الكشاف وغيره بأن" (كلا) ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإنه لم يذكر لدلالة الكلام عليه" [2] هو في معنى ما ذكر في عود الردع المفاد من (كلاّ) على ما بعدها وإن اختُلف في موضعه ومستحقه، ولا مشاحة في هذا كما أن لا مشاحة في البدء بـ (كلا) وإن لم يذكر فيها ما يستحق ردعه والزجر عليه إذ هذه طريقة عند العرب، وإن خالفت المشهور مما درجوا عليه،"ومن هذا القبيل أن يفتتح الكلام بحرف نفي ليس بعده ما يصلح لأن يلي الحرف كما في قول امرئ القيس:"

فلا وربك ابنة العامر ... ي لا يدّعي القوم أني أفر" [3] "

هذا وقد ذكر مفتي الديار الرومية في تفسيره لقول الله تعالى (كلا إنا خلقناهم مما يعلمون .. المعارج/39) - فيما نقله عنه الإمام الآلوسي - أن"الأقرب كونه كلا مًا مستأنفًا قد سيق تمهيدًا لما بعده من بيان قدرته عز وجل على أن يهلكهم لكفرهم بالبعث والجزاء، واستهزائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما نزل عليه من الوحي، وادعائهم دخول الجنة بطريق السخرية، وبيان قدرته كذلك على أنه ينشئ بدلهم قومًا آخرين، لأن قدرته سبحانه على ما يعملونه من النشأة الأولى حجة بينة على قدرته عز وجل على ذلك كما يفصح عنه الفاء الفصيحة في قوله تعالى: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون. على أن نبدّل خيرًا منهم وما نحن بمسبوقين .. المعارج/ 40،41) ، إي إذا كان الأمر كما ذكرنا من أن خلقهم مما يعلمون، وهو النطفة القذرة، فنحن قادرون على أن نهلكهم بالمرة حسبما تقتضيه جناياتهم، ونأتي بدلهم بخلق آخرين ليسوا على صفتهم وما نحن بمغلوبين إن أردنا ذلك، لكن مشيئتنا المبنية على الحِكم"

(1) التحرير 30/ 442 مجلد 15.

(2) الكشاف 4/ 271 وينظر أبو السعود 9/ 178 مجلد 4.

(3) التحرير 30/ 242 مجلد 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت