فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 65

الخطأ، لكونه منزه عنه وعن الجور الناشئ عن الجهل والعجز واتباع الضعف النفساني الناتج عن عدم معرفة الأحوال والعواقب.

وهنا يأتي النظم الكريم: (قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم) ، لبيان أنهم مفتضحون على تلك الإراءة، وأعقب طلب تحصيلها بإثبات أثرها وهو الردع عن اعتقاد إلهيتها وإبطالها عنهم بإثباتها لله تعالى وحده فلذلك جمع بين حرفي الردع والإضراب ثم الانتقال إلى تعيين الإله الحق على طريقة (كلا بل لا تكرمون اليتيم .. الفجر/17) [1] فاحتمل المعنى في (كلا) لأن يكون للردع ولأن يكون للنفي والرد، كأنه قيل ارتدعوا عن هذا القول وذاك الزعم الذي تزعمونه من أن هذه الأصنام شركاء لله تعالى، فإن هذه الأصنام لا تخلق شيئًا ولا ترزق أحدًا.

قال العلامة الآلوسي:"كلا ردع لهم عن زعم الشركة بعدما كسره بالإبطال كما قال إبراهيم عليه السلام: (أف لكم ولما تعبدون من دون الله .. الأنبياء/68) بعدما حج قومه" [2] ، كأنه لما قال: عرفوني هذه الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء لله عز وجل وهل شاركتني في خلق شئ، أتبعه بقوله: (كلا) نفيًا لجوابهم المحذوف المقدر بأنها هي الأصنام، فتكون كلا قد جاءت لنفي ذلك ولتحقيق معنى ليس الأمر كما زعمتم لأنه تعالى جل أن يكون له شركاء [3] .. أو ردًا على قوله: (أروني) أي أنهم لا يرون ذلك ولا يقدرون عليه. وكيف يرون شيئًا لا يكون [4] وعلى هذه الأوجه يسوغ الوقف على الأداة (كلا) ويكون الوقف عليها وقفًا كافيًا لعدم تعلق ما بعدها بها لفظًا وإن تعلق معنى .. ويجوز البدء بها والوقف على شركاء بجعلها من تمام القول، والوقف عليها كاف للعلة نفسها فيكون في الآية وقفان متجاوران.

ومن فساد المعنى وصل (شركاء) بـ (كلا) إذ يصير مفاد الآية أن إلحاقهم الشركاء بالله تعالى حق ثابت، وهذا معنى بيّن الفساد واضح البطلان، كما لا يجوز البدء بها بجعلها بمعنى (حقا) ولا يصح، لما يترتب على الوقوف على شركاء والبدء بـ (كلا) ووصلها بما بعدها بهذا الاعتبار، من ركة العبارة وتهافت الأسلوب، وإن أساغة ابن فارس في مقالة (كلا) تحقيقا لقوله (وهو العزيز الحكيم) [5] ، ويقتضي دقة النظم ألا يسوغ جعل كلا بمعنى (ألا) التنبيهية لأنه لم يعهد في فصيح الأساليب وبليغ التراكيب، إقران (ألا) التي للتنبيه بـ (بل) [6] .

(1) ينظر التحرير 22/ 195 - 197 مجلد 11.

(2) الآلوسي 22/ 26 مجلد 12 وينظر الكشاف 3/ 289 والجلالين بحاشية الجمل 3/ 528.

(3) ينظر القرطبي 8/ 5569.

(4) ينظر مقالة كلا لابن فارس ص 125 والمكتفى بتحقيق جايد ص 296.

(5) ينظر مقالة كلا لابن فارس 125 كما ينظر معالم الاهتداء للحصري ص 155.

(6) ينظر معالم الاهتداء ص 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت