فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 65

التنبيهية، وعلى هذا الوجه لا يوقف عليها لوثيق الارتباط بما بعدها كما لا يخفى، والأول أبلغ لكون المعنى بالوقف عليها أتم لذا كان كافيًا، والوجه فيه أن جملة (إنها كلمة .. الخ) استئنافية لا موضع لها من الإعراب قصد بها تقرير معنى (كلا) من عدم جواز الإجابة، أي إنها كلمة لا يجنى لها ثمرة ولا يحصل من ورائها على فائدة، ولا يجاب لما سأل ولا يغاث، فبينها وبين ما قبلها ربط معنوي، والقول بالابتداء بها على تأويلها بـ (حقا) وإن اعترض عليه بشدة من قبل كثير من النحاة وأهل اللغة والتجويد نظرًا لكسر همزة (إن) التي يجب فتحها بعد (حقا) أو ما كان بمعناها [1] إلا أن سيبويه والجمهور من نحاة البصرة أساغوه لوروده في نحو: (حقا أنه منطلق) بفتح (أن) بعد (حقا) وأنشدوا:

أحقا أن جيرتنا استقلوا ... * ... فنيتنا ونيتهم فريق [2]

بفتح (أن) بعد حقا، وحكى سيبويه وغيره أنك إذا قلت: (أما أنه منطلق) وجعلت (أما) بمعنى حقا فتحت همزة (إن) ، فإن جعلها بمعنى (ألا) كسرتها (إن) ، فعلى هذا تجعل (كلا) أيضًا، لأنها بمنزلة (أما) في أنهما - أي أما وكلا - يقعان بمعنى (ألا) وبمعنى (حقا) فهذا بين في وجوب فتح الهمزة في (ان) الواقعة بعد كلا إذا كانت بمعنى (حقا) فلا يبتدأ بـ (كلا) - في هذا الموضع ونظيره - إلا وهو بمعنى (ألا) [3] . والحق أن هذا مع قولهم بلزوم كلا في إفادة معنى الردع والزجر - كذا بالتعميم - لا يخلو عن كدر، سيما مع ما ذكرناه من سياقات هي أقرب إلى المعاني والأغراض الأخرى من أن تكون للتحقيق المفاد من جعل (كلا) بمعنى حقا.

4 -والمتبصر للآية الكريمة في سورة سبأ (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم. قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم .. سبأ/27،26) ، يدرك أنها بمنزلة البيان للآية التي قبلها (قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون .. سبأ /25) ، لأن نفى كل فريق عن عمل غيره يقتضي أن هنالك سؤالًا عن عمل نفسه، فبُيّن بأن الذي يسأل الناس عن أعمالهم هو الله تعالى، وأنه الذي يفصل بين الفريقين بالحق حين يجمعهم يوم القيامة الذي هم منكروه، وهذا تدرج من الإيماء بأن كلًا محاسب عن عمله .. إلى ما يشير إلى ضلالهم وما يستلزمه من حساب وسؤال.

والوجه في التذييل بـ (الفتاح العليم) لجملة (يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق) ، أن يجعل وصفًا كليا لحكم جزئي، وفى ذلك من الوصف بالقوة والإحاطة ما فيه، ونكتة اتباع العليم بـ (الفتاح) ، الدلالة على أن حكمه عدل محض وأنه لا تحُف بحكمته أسباب

(1) ينظر شرح كلا ص 30 ومعالم الاهتداء ص 151:152 وحاشية الجمل 3/ 228 والبحر 6/ 421 ودراسات عضيمة القسم الأول 2/ 389،390.

(2) البيت للمفضل النكري، وينظر في شأنه شرح أبيات المغني 1/ 346 واللسان مادة (فرق) .

(3) ينظر شرح كلا لمكي ص 30: 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت