القول كما قال سبحانه: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ق/ 18) ؟ .. لأن جوابه، أنه على معنى سنظهره له ونعلمه أنا كتبنا قوله، وأنه على عادة وطريقة قول المتوعد للجاني: (سوف أنتقم منك) ، يعني أنه لا يخل بالانتصار وإن تطال به الزمان واستأخر.
وعلى القول بأن (كلا) في الموضوعين في معنى (حقا) أو (ألا) التي للاستفتاح لكون المعنى والتقدير: سنكتب ما تفوه به هذه المعاند من مقالة نكراء وما صدر عنه من جريمة شنعاء، سنكتبه كتابًا حقًا أو كتبا حقًا، وسيكفر أهل ملته بعبادتهم لأصنامهم وابتغائهم العزة منها كفرًا ثابتًا لابد من تحقيقه، لكون (حقًا) في المرتين نعتا لمصدر محذوف، أو مراده التنبيه على أن ما بعد (كلا) هو المقصود الذي يجب الاهتمام بشأنه، وعلى هذين الوجهين في الموضعين لا يوقف على (كلا) لتعلقها ولشدة اتصالها بما بعدها، ولأن أداة التنبيه لا بد من أن تجعل في صدر الجملة المنبه عليها على ما أفاده محققوا أهل التفسير وأئمة القراء من أهل الوقوف وأرباب التجويد [1] .
(3) :- والوقف على كلا في قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون. لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون .. المؤمنون /99, 100) ،"حسن بالغ وهو قول نافع وأبو حاتم وغيرهما على معنى ليس الأمر كذلك، أو كما يظن من أنه يجاب إلى الرجوع إليها بل هو كلام يطيح أدراج الرياح، فتكون ردًا لما تمنى الكافر من الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحًا، لعلم الله أنه لو رد إليها لم يعمل صالحًا، وذلك قوله تعالى: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه .. الأنعام / 28) "انتهى من كلام مكي بشيء من التصرف [2] .
وكلام ابن فارس لا يختلف عنه، وإن فصَل الأخير بين معنى الرد والنفي فذكر أن لـ (كلا) في هذه الآية ثلاثة معان: وذكر في أولها أنها"رد لقولهم (ارجعون) فقيل له (كلا) أي لا ترد، والثاني قوله تعالى: (أعمل صالحًا فيما تركت كلا) أي لست ممن يعمل صالحًا وهو كقوله في الأنعام: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) " [3] ، وأيا ما كان فالمعنى: (كلا) أي لا رجوع، فهو نفى مصحوب بالرد على ما زعم وهى مع كونها للنفي فيها معنى الردع والزجر كذا في حاشية الجمل [4] وفى الكشاف والبيضاوي (كلا) ردع عن طلب الرجعة وإنكار واستبعاد لها [5]
ويجوز الابتداء بـ (كلا) على معنى: ألا إنها كلمة، فتكون بمعنى ألا الاستفتاحية
(1) ينظر الكشاف 4/ 523 والبحر 6/ 213، 214، 197 والرازي 10/ 506 والقرطبي 10/ 4319 وحاشية الجمل 3/ 77 والإملاء للعكبري ص 413 ومقالة (كلا) لابن فارس ص 11، 17 والمغني 1/ 161 وشرح (كلا) لمكي ص 28، 29.
(2) شرح كلا لمكى ص 300.
(3) مقالة كلا ص 11.
(4) ينظر الفتوحات الإلهية 3/ 228.
(5) ينظر الكشاف 3/ 56 وحاشية الشهاب على البيضاوي 6/ 605.