فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 65

آيات سورة عبس، فذكر في روح المعاني أن القرآن إنما عبر بـ (كلا) في الآية الكريمة (كلا إنها تذكرة) :"مبالغة في إرشاده صلى الله عليه وسلم إلى عدم معاودة ما عوتب عليه، وقد نزل ذلك - كما في خبر رواه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس - بعد أن قضى صلى الله عليه وسلم نجواه وذهب إلى أهله" [1] .

وجواب من قال لماذا لم يعلم الله رسوله عليه السلام من وقت حضور ابن أم مكتوم بما تضمنه هذا التوجيه؟:"أن العلم الذي يحصل عن تبيين غفلة أو إشعار بخفاء يكون أرسخ في النفس من العلم المسوق من غير تعطش، ولأن وقوع ذلك بعد حصول سببه أشهر بين المسلمين وليحصل للنبي صلى الله عليه وسلم مزية كلا المقامين: مقام الاجتهاد ومقام الإفادة .. ونظير هذا ما ضربه الله لموسى عليه السلام من المثَل في ملاقاة الخضر وما جرى من المحاورة بينهما، وقول الخضر لموسى: (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا .. الكهف/68) ، ثم قوله له: (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا .. الكهف/82) ، وقد سبق مثله في الشرائع السابقة كقوله في قصة نوح: (يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح .. هود/46) وقوله لإبراهيم: (لا ينال عهدي الظالمين .. البقرة/124) " [2] وفي بعض الآثار أنه صلوات الله وسلامه عليه بعد أن نزل ما نزل، ما عبس في وجه فقير ولا تصدى لغني، وتأدب الناس بذلك أدبا حسنًا حتى روي عن سفيان الثوري أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء.

والذي يبدو أن مناط العتاب الذي تؤتيه لهجة الآية والذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوته من كثرة ما يقول لابن أم مكتوم (مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي) ، إنما هو عتاب على العبوس والتولي لا على ما حفّ بذلك من المبادرة بدعوة كافر إلى الإسلام عساه أن يسلم، أو تأخير إرشاد مؤمن إلى شعب الإسلام عساه أن يزداد تزكية، لأن ما سلكه النبي صلوات الله عليه في ذلك من إيثار الأولى على الثانية لا يستدعى عتابا، إذ ما سلك إلا ما وسعه فيه الاجتهاد،"ومن القواعد المستقراةِ من تصاريف الشريعة والشاهدة بها العقول السليمة تقديم درء المفاسد على جلب المصالح، ونفي الضر الأكبر قبل نفي الضر الأصغر، فلم يسلك النبي صلى الله عليه وسلم إلا مسلك الاجتهاد المأمور به فيما لم يوح إليه فيه، وهو داخل تحت قوله تعالى لعموم الأمة: (فاتقوا الله ما استطعتم .. التغابن/16) وهو القائل: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلىّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما اقتطع له قطعة من نار) ، وهو القائل: (أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر) .. وهو حديث صحيح المعنى وإن كان في إسناده تردد فلا قِبل له بعلم المغيبات إلا أن يطلعه الله على شيء منها، فلا يعلم أن هذا المشرك مضمر الكفر والعناد وأن الله يعلم أنه لا يؤمن، ولا أن لذلك المؤمن في ذلك صفاء نفس وإشراق قلب لا يتهيأ به له في كل"

(1) السابق 30/ 72 مجلد 16.

(2) التحرير 30/ 112 مجلد 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت