فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 65

الأنبياء عليهم السلام كما قال موسى عليه السلام: (وعجلت إليك رب لترضى .. طه/84) .. إلا أن صدورها من النفس اللوامة التي تلوم صاحبها على ترك المبادرة إلى أفعال الخير، يجعل وقوعها من النفس المطمئنة يكون على صورة أكمل، مما يعني أن النهي عن العجلة على هذا النحو الوارد إنما هو نقل له عليه السلام من مقام كامل إلى أكمل منه [1] وذلك - بالطبع - يبتعد بـ (كلاّ) عن أن تكون للردع والزجر.

وما أجمل ما ذكره صاحب روح المعاني في هذا الصدد - تأكيدًا على ما ذكرنا - من أن" (كلاّ) هنا إرشاد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأخذ به عن عادة العجلة، وترغيب له عليه الصلاة والسلام في الأناة، وبالغ سبحانه في ذلك لمزيد حبه إياه باتباعه وهذا هو ما يتناسب ومقام النبي عليه السلام الرفيع، وفي قوله: (بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة) إيذان بأن الإنسان وإن كان مجبولًا على ذلك إلا أن مثله عليه السلام ممن هو في أعلى منصب النبوة لا ينبغي أن يستفزه مقتضى الطباع البشرية، وأنه إذا نهى صلى الله عليه وسلم عن العجلة في طلب العلم والهدى فهؤلاء ديدنهم حب العاجلة وطلب الردئ، كأنهم نزلوا منزلة من لا ينجع فيهم النهى فإنما يعاتب الآدمي ذو البشرة، ومنه يعلم أن هذا متصل بقوله سبحانه: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) فإنه ملوح إلى معنى (بل تحبون) إلخ."

وفي قوله (لا تحرك) - على هذا - تدرج ومبالغة في التقريع، والتدرج وإن كان يحصل لو لم يؤت بقوله سبحانه: (لا تحرك) إلخ، إلا أنه يلزم حينئذ فوات المبالغة في التقريع، وأنه إذا لم تجز العجلة في القرآن - وهو شفاء ورحمة - فكيف فيما هو فجور وثبور؟ .. كما فيه الاستطراد المؤدى مؤدى الاعتراض بصورة أبلغ [2] لظهور المناسبة، تلك التي يقول عنها أبو حيان:"يظهر أن المناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنه سبحانه لما ذكر منكر القيامة والبعث معرضًا عن آيات الله تعالى ومعجزاته، وأنه قاصر شهواته على الفجور غير مكترث بما يصدر منه، ذكر حال من يثابر على تعلم آيات الله تعالى وحفظها وتلقينها والنظر فيها وعرضها على من ينكرها رجاء قبوله إياها ليظهر بذلك تباين من يرغب في تحصيل آيات الله تعالى ومن يرغب عنها، والأمر في ذلك كما قال الشاعر: (وبضدها تتميز الأشياء) [3] وبهذه المقارنة يكون جانب التقريع قد امتزج واصطبغ بجانب الحث على تعقل الأمور وإيثار الآخرة على الأولى."

وبنفس هذا الأدب الجم في حق النبي عليه السلام، عالج الإمام أبو الفضل [4] ما جاء في

(1) ينظر نظم الدرر 8/ 249.

(2) روح المعاني 29/ 245 مجلد 16 بتصرف.

(3) السابق 29/ 246 مجلد 16.

(4) خلافا لغيره ممن لم يكفوا من أهل التأويل عن استخدام كلمة (الردع والزجر) في حقه، بل راحوا يسوّون بين ما كان في حقه صلوات الله وسلامه عليه وما كان في حق أهل الكفر وغيرهم ممن استحقوا ذلك وأكثر منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت