ولا مخرج من الربط بين الآيتين الوارد فيهما مفردة العجلة، إلا أن يكون مجيئ ذلك على سبيل الاستطراد أو الاعتراض، فقد"كان من عادة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا لقن القرآن أن ينازع جبريل عليه السلام القراءة، وقد أنفق عند التلقين للآيات السابقة ما جرت به عادته من العجلة فلما وصل إلى قوله تعالى: (ولو ألقى معاذيره) ، أوحى إلى جبريل عليه السلام بأن يلقي إليه رسول الله ما يرشده إلى أخذ القرآن على أكمل وجه فألقى تلك الجمل على سبيل الاستطراد، ثم عاد إلى إتمام ما كان فيه بقوله تعالى: (كلا بل تحبون .. ) إلخ، مثاله الشيخ إذا كان يلقن تلميذه درسًا أو يلقي إليه فصلًاَ، ورآه في أثناء ذلك يعجل ويضطرب، يقول له: لا تعجل ولا تضطرب، فإني إذا فرغت إن كان لك إشكال أزيله أو كنت تخاف فوتًا فأنا أحفظه، ثم يأخذ الشيخ في كلامه ويتمّه" [1] .
ويرى بعض أهل التأويل أن"يكون الخطاب في (لا تحرك) إلخ، لسيد المخاطبين صلوات الله وسلامه عليه حقيقة، أو لكل من يصلح له، فيكون من باب إياكِ أعني واسمعي يا جارة، وجعل ضمير (به) ونظائره، ليوم القيامة. والجملة اعتراض جئ به لتأكيد تهويله وتفظيعه، فكأنه لما ذكر سبحانه مما يتعلق بذلك اليوم الذي فتحت بعظامه ما يتعلق، قوى داعي السؤال عند توقيته وأنه متى يكون؟ وفي أي وقت يبين؟ وبخاصة وقد استقر أن السؤال عن ذلك إذا لم يكن استهزاء مما لا بأس به، فقيل: (لا تحرك به) أي بطلب توقيته لسانك، وهو نهي عن السؤال على أتم وجه، كما يقال لا تفتح فمك في أمر فلان (لتعجل به) ، يعني لتحصِّل علمه على عجلة، (إن علينا جمعه) أي ما يكون فيه من الجمع، (وقرآنه) وهو ما يتضمن شرح أحواله وأهواله من القرآن، (فإذا قرآناه) وتلونا عليك ما يتعلق به، (فاتبع قرآنه) بالعمل بما يقتضيه من الاستعداد له، (ثم إن علينا بيانه) إظهاره وقوعًا بالنفخ في الصور وهو الطامة الكبرى" [2] .
وهذا التوجيه فضلا عن أن فيه ما فيه من التكلف فإن ظاهر الآية لا يساعده، وأبلغ منه أن تجعل هذه الآيات معترضة مع حملها على ظاهر معناها وهو ما فطن إليه بعض أهل التأويل [3] ، يدل علي ذلك - مع ما ذكرناه عن ابن عباس - ما ورد عن الضحاك من أنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن ينسى القرآن، فكان يدرسه حتى غلب ذلك وشق عليه فنزل (لا تحرك به .. ) إلخ [4] فالرواية الأخيرة وإن أخفت وراءها وجه العتب والترغيب، فإنها مع ذلك التمست العذر للرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان يصنع، وخلعت على (كلاّ) مسحة الإشفاق فيما كان يقع منه صلى الله عليه وسلم ويصدر عنه.
ومهما يكن من أمر فالعجلة الواردة في حقه صلوات الله عليه ليس نقصًا ولا عيبًا بخلاف ما عليه سائر البشر، وعليه فهي وإن كانت من الكمالات بالنسبة إليه وإلى إخوانه من
(1) السابق.
(2) السابق 29/ 247 مجلد 16 بتصرف.
(3) ينظر التحرير والتنوير 29/ 349 من المجلد 14.
(4) ينظر السابق.