فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 65

وبتأمل ما جاء في قوله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالًا وولدًا. أطلع الغيب أم اتخذ عند الله عهدا. كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدًا. ونرثه ما يقول ويأتينا فردًا. واتخذوا من دون الله آلهةً ليكونوا لهم عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدًا. ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا. فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدًا .. مريم /77 - 84) ، وقوله: (عم يتساءلون. عن النبإ العظيم. الذي هم فيه مختلفون. كلا سيعلمون .. النبأ /1 - 4) ، وقوله: (وتأكلون التراث أكلًا لمًا. وتحبون المال حبًا جمًا. كلا إذا دكت الأرض دكًا دكا .. الفجر/19، 20) ، وقوله: (ألهاكم التكاثر. حتى زرتم المقابر. كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون .. التكاثر/1 - 4) .. وبتتبع الطريقة التي انتظمت بها هذه السياقات نلمس نبرة التهديد والوعيد الشديدين، كما نبصر ما ألمع إليه حرفي التنفيس: (السين) و (سوف) من فظاعة ما ينتظره أولئك المتحدث عنهم في جميع هذه الآيات وفيمن في شأنهم نزلت، وما وقع عليهم من إيعاد هو لا محالة حاصل، لكونه سبحانه لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه وإليه يرجع الأمر كله.

فالآيات المذكورة من سورة مريم تشير إلى ما كان من شأن خباب بن الأرت مع العاص بن وائل السهمي وتحكي ما قاله الأخير وما سجله على نفسه من تكذيب بالله وبالبعث واليوم الآخر .. ففي الصحيح أن خباب كان يصنع السيوف في مكة، فعمل للعاص بن وائل سيفا وكان ثمنه دينا على العاص، وكان خباب قد أسلم فجاء يتقاضى دينه من العاص فقال له العاص بن وائل: لا أقضيكه حتى تكفر بمحمد، فقال خباب وقد غضب: لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ويبعثك، فقال العاص أو مبعوث أنا بعد الموت؟ قال: نعم، قال العاص متهكما: إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دينك، فنزلت الآيات.

فالاستفهام في قوله تعالى (أفرأيت) مستعمل في التعجب من قصة العاص الذي نزلت في حقه هذه الآيات، ولفت الذهن إلى معرفتها أو إلى تذكرها"والإيذان أنها من الغرابة والشناعة بحيث يجب أن ترى ويقضى منها العجب .. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أنظرت فرأيت الذي كفر بآياتنا الباهرة التي حقها أن يؤمن بها كل من شاهدها" [1] والخطاب فيها لكل من يصلح له الخطاب، ويجوز أن يكون خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وعلى القول بأن (أرأيت) بمعنى أخبر تكون الفاء على أصلها، والمعنى: أخبر بقصة هذا الكافر عقب حديث أولئك الذين قالوا: (أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديًا) ، غير أن الذي يستدعيه جزالة النظم الكريم هو جعل الفاء للعطف على مقدر محذوف، ليكون المعنى: انظر يا محمد إلى هذا الكافر فتعجب من حالته وجراءاته الشنيعة كذا ذكره أبو مسعود [2] .

وعلى أي فجملة (أطلع الغيب) جواب لكلامه على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل كلامه

(1) تفسير أبي مسعود 5/ 279 مجلد 3.

(2) ينظرالسابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت