على ظاهر عبارته من الوعد بقضاء الدين من المال الذي سيجده حين يبعث، فالاستفهام في قوله: (أطلع الغيب) إنكاري وتعجيبي، و (اطلع) افتعل من طلع للمبالغة في حصول فعل الطلوع وهو الارتقاء .. ومن أجل هذا أطلق الإطلاع على الإشراف على الشيء، لأن الذي يروم الإشراف على مكان محجوب عنه يرتقي إليه من علو فالأصل إن فعل (اطلع) قاصر غير محتاج إلى التعدية، قال تعالى: (قال هل أنتم مطلعون. فاطلع فرآه في سواء الجحيم .. الصافات/55) ، فإذا ضُمّن معنى (أشرف) عدى بحرف الاستعلاء، كقوله تعالى: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا .. الكهف/18) [1] .
قال في الكشاف:"ولاختيار هذه الكلمة شأن، يقول: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب" [2] أي حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالا وولدا وأن يقسم عليه؟، ذلك أن في اختيارها ردًا لكلمته الشنعاء وإظهارًا لبطلانها إثر ما أشير إليه بالتعجب منها، لأنه لما قال: (فسيكون لي مال وولد) عني أن ماله وولده راجعان إليه يومئذ، والمعنى على حد قول ابن عاشور: أأشرف على عالم الغيب فرأى مالًا وولدا معدّين له حين يأتي يوم القيامة أو صائرين معه في الآخرة، (أم اتخذ عند الرحمن عهدا) بأنه معطيه ذلك فأيقن بحصوله؟ فإنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين إما مكاشفة ذلك ومشاهدته وإما إخبار الله بأنه سيعطيه إياه.
والمتعلِّق (عند) , ظرف مكان هو استعارة بالكناية، يشبه الوعد بصحيفة مكتوب بها تعاهد وتعاقد بينه وبين الله موضوعة عنده سبحانه، لأن الناس كانوا إذا أرادوا توثيق ما يتعاهدون عليه كتبوه في صحيفة ووضعوها في مكان حصين مشهور كما كتب المشركون صحيفة القطيعة بينهم وبين بني هاشم ووضعوها في جوف الكعبة، وفي تعقيبه بقوله: (سنكتب ما يقول) ، إشارة إلى هذا المعنى بطريقة مراعاة النظير [3] ، وفي التعرض لعنوان الرحمانية إشعار بعلية الرحمة لإيتاء ما يدعيه، كما أن استحضار مدلوله أجدر في وفائه بما عهد به من النعمة المزعومة لهذا الكافر، وفي اختياره تورك على المشركين الذين قالوا: وما الرحمن؟ والكلام بجملته مجاراة مع اللّعين بحسب منطوق مقاله، أي على طريقة كلامه مع خباب التي كانت كذلك [4] .
وقوله (كلا) ردع له عن التفوه بتلك العظيمة وتنبيه على خطته، والتعبير بحرف التنفيس في قوله: (سنكتب ما يقول) لبيان أن ذلك واقع لا محالة، وهو كقوله تعالى: (كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا) والمعنى في الآية الأولى: سنظهر أنا كتبنا، أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمة الجاني وحفظها عليه، فإنه نفس الكتبة لا تكاد تتأخر عن القول لقوله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد .. ق/ 18) ، ومبنى العبارة
(1) ينظر التحرير 16/ 158، 160 مجلد 8.
(2) الكشاف 2/ 422.
(3) ينظر التحرير 16/ 160،161 مجلد 8.
(4) ينظر السابق كما ينظر تفسير أبي مسعود 5/ 279 مجلد 3.