يضاف لذلك ما يكتنفه هذا الضرب من الكلام من الإيجاز الذي يهدف إلى تأكيد الجملة المستأنفة بيانيًا ويكون الغرض منه تحقيق المعنى أو التنبيه عليه .. وما اشتمل عليه من الاختصار الذي يغني عن تكرير ما سبق مما يستحق الرد ويستأهل الردع والزجر، وما يحتويه من التنوع في مقصود الكلام ومراده فهذا يستكنه منه التهديد وذاك يشتم منه التوجيه وآخر يفاد منه الإقسام وغيره يفهم منه الاستنكار والاستبعاد وسواه يهدف إلى تقرير الكلام وتأكيده.
وتلعب (كلا) في كل هذا دورًا أساسيًا وتعد واسطة العقد وقطب الرحى في كل موضع جاءت فيه، فهي من ناحية تأديتها لمعاني الكلام وأغراضه لاءمت المقامات التي جاءت فيها واقتضتها سياقات الكلام ومقتضيات الأحوال، وهى من ناحية وضعها اللغوي صححت الأفهام وأزالت الشك وردعت المنكرين وردت عليهم افتراءاتهم وأثبتت الحقائق التي لا يماري فيها إلا جاهل أو معاند .. فهي في الردع أقوى دلالة وأعمق أثرًا وفى التنبيه لفت نظر وفي التحقيق رفع احتمال وتثبيت يقين، وهى مع كل هذا ناسبت أحوال المخاطبين فقرعت باعتبارها من خصائص القرآن المكي أسماعهم ودحضت على وجه الإلزام أكاذيبهم وملأت بالحقائق - التي لم يقووا على إدراكها أو يقدروا على استيعابها أو الوقوف أمامها- آذانهم، وما كان عنادهم بعد ذاك إلا غطاء هشًا لما انطوت عليه قلوبهم من الحقد الدفين والعداء المستحكم للحق والحقيقة.
وبعد فهذا ما سنح به الوقت ووسعه المقام واقتضاه الحال، فإن كان من صواب فبتوفيق من الله وإن كان من خطأ فأنا أبرأ إلى الله منه فهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.