بالاعتبار، وهو اعتبار النظير بنظيره، وقياس الشيء على مثله، والتفكر فيما تضمنته الأحكام من المعاني والحكم التي هي محل العقل والفكرة، وبذلك يزداد العقل، وتتنور البصيرة ويزداد الإيمان، ويحصل الفهم الحقيقي" [1] ."
وقال القشيري:"... ومن مواضع العِبْرةِ في ذلك ما قاله: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا} بحيث داخلتكم الرِّيبةُ في ذلك لِفَرْطِ قُوَّتِهم - فصَانَهُم بذلك عن الإعجاب."
ومن مواضع العبرة في ذلك أيضًا ما قاله: {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} فلم يكن كما ظنُّوه - ومَنْ تَقَوَّ بمخلوقٍ أسْلَمَه ذلك إلى صَغَارِه ومذَلّتِه.
ومن الدلائل الناطقة ما أُلْقِي في قلوبهم من الخوفِ والرُّعب، ثم تخريبُهم بيوتهم بأيديهم علامةُ ضَعْف أحوالهم، وبأيدي المؤمنين لقوة أحوالهم، فتمت لهم الغلبةُ عليهم والاستيلاء على ديارهم وإجلاؤهم.
هذا كلُّهُ لا بُدَّ أن يحصل به الاعتبارُ، والاعتبارُ أحَدُ قوانين الشَّرْع.
ومَنْ لم يَعْتَبِرْ بغيره اعتَبَرَ به غيرُه" [2] ."
ومن الاستفادةِ من الحاضرِ والتزود للمستقبل: ما حدث في غزوة أحد حيثُ عصى بعض المؤمنين أمرَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتركوا أماكنهم في ميدان القتال، فأدى ذلك إلى فتح ثغرة في صفوف المسلمين نفذ منها المشركون إلى مؤخرة الجيش، فتغير مسارُ المعركة وأوقع المشركون بالمسلمين، وكسرت رباعيةُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشجَّ وجهه، وصاح المشركون إن محمدا قد قتل، فأذهلت تلك الشائعةُ عقول المسلمين وروعت قلوبهم وزلزلت نفوسهم، فحبُّهم لنبيهم حبٌّ عجيبٌ، يؤثرونه على أنفسهم، ويجودون بأرواحهم فداءً له، فهو حبيبهم وقائدهم وإمامهم ومربيهم ومعلمهم يفيض عليهم من بره ورحمته ويسكب عليهم من حبه وحنانه.
(1) - تيسير الكريم المنان للسعدي ص 848
(2) - لطائف الإشارات للقشيري 7/ 404 مع تحفُّظي على كلمة قوانين وإضافتها إلى الشرع، فكلمة القانون كلمة دخيلة على لغتنا ولا تمتُّ لشرعنا بصلة، وكان يمكن التعبير بكلمة سُنن، أو أحكام أو أصول الشرع.