الصفحة 6 من 95

والقرائن التي شهدت نزولَه، وكثيرٌ من الآيات نزلت في إثرِ حادثةٍ أو واقعةٍ، من ذلك الغزوات التي تحدث القرآن الكريم عنها في سور عديدة منها: مثل سورة آل عمران، والأنفال، والتوبة، والأحزاب، والفتح، والحشر، وغير ذلك مما لا يمكن أن نستوعبه إلا بالرجوع إلى كتب السيرة؛ إذ لا يمكن الاستغناء بالقرآن الكريم وهو المصدر الأول للسيرة عن باقي مصادرها، التي لا غنى عنها في فهم القرآن ودراسة السيرة العطرة.

كما أن القارئَ لكلام الله تعالى في حاجة إلى معايشة زمان نزوله واستحضار الظروف والملابسات والأحوال التي نزل فيها، يستحضر ذلك بقلبه ووجدانه، وروحه وعاطفته، وَيَتَمَثَّلُ القرآنَ الكريمَ في جميع شئونه وسائر أحواله، مقتديا بالحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فمعايشةُ القرآنِ الكريمِ: مِنْ أعظمِ السُّبُلِ إلى فهمِ أحكامِهِ والوقوفِ على معانيه وإدراك حِكَمِهِ ومراميه، ومن تأمل على سبيل المثالِ في العواملِ التي أعانت الصحابةَ على التعمُّق في فهم كلام الله لوجد من أهمِّها معايشتَهُمْ للقرآن وحياتَهُم في ظلاله يتنسَّمُون عبيره وشذاه، ويترسَّمون سبيلَهُ وهُداه، ويقتبسون من أنواره، ويقتطفون من أزهاره، ويجتنونَ من ثماره، و لقد أدرك العلماءُ قيمةَ تفسيرهم وأثنَوا على عمقِ فهمِهِم وَحُسْنِ تدُّبرهم:

وفي ذلك: يقول الإمامُ الشاطبيُّ وقد أرجَعَ نبوغَهم في التفسير إلى أمرينِ:"أحدهما: معرفتهم باللسان العربي فإنهم عرب فصحاء لم تتغير ألسنتهم ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم ..."

والثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة، فهم أقعدُ في فهمِ القرائنِ الحاليَّةِ وأعرفُ بأسبابِ التنزيلِ، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهدُ يرى ما لا يرى الغائبُ ..." [1] ."

(1) - الموافقات للشاطبي 3/ 338، ونحو هذا ما ذكره ابن تيمية رحمه الله في مقدمة تفسيره كما في مجموع الفتاوى 19/ 200

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت