والواقع أن جهلنا بطبيعتنا مسألةٌ لا مراء فيها، من ثمَّ فإننا في حاجةٍ ضروريةٍ إلى أن يعرِّفَنا خالقُنَا بأنفسنا، يقول ألكسيس كاريل الحائز على جائزة نوبل وصاحب كتاب الإنسان ذلك المجهول:"لقد بذل الجنس البشري مجهودا جبارا لكي يعرف نفسه، وبالرغم من أننا نملك كنوزا زاخرة وتراثا هائلا من نتاج العلماء والفلاسفة والأدباء والمصلحين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا ... إننا لا نفهم الإنسان ككل ..." [1]
وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فأغلب الأسئلة التي يطرحها أولئك الباحثون حول حقيقةِ الإنسان وطبيعته تظلُّ بلا جوابٍ، لأن هناك مناطق غير محدودة بين جوانحنا لا تزال مجهولةً غامضةً.
ذلك مبلغ علم الإنسان بالإنسان، فهو في حاجةٍ ماسة إلى من يعرفه بنفسه ومن ينبئه بطبيعته وفطرته، ويوقفه على مواطن ضعفه وقوته، ويرشده إلى ما يصلحه في معاشه ومعاده، ومن هنا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب التي كان من جملة مقاصدها، تعريف الإنسان بنفسه ومشاعره وعاطفته ووجدانه، وتذكيره بمهمته في هذا الوجود، وتوعيته بكل ما يعوقه عن تحقيق دوره المنشود، وتحذيره من المخاطر التي تهدده، وتبصيره بالتحديات التي تواجهه.
* وحين نتأمل في البيان القرآني للسيرة النبوية نرى مدى عنايةِ القرآن بعرض الشخصية التي هي محورُ أحداث السيرة: شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي شخصيةٌ صافيةٌ نقيةٌ جمعت جميع صفات الكمال البشري وسائرَ جوانب العظمةِ الإنسانية التي تمثَّلت في هذا النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وأحاط القرآن بالمحطات الرئيسية في حياته - صلى الله عليه وسلم - منذ مولده مرورا ببعثته ثم هجرته ثم جهاده ثم وفاته وما تخلل ذلك من أحداث عظامٍ، فضلا عن حياته الخاصةِ الحافلة بالدروس والعبر، قدم لنا القرآنُ الكريمُ صورةً جليَّةً لشخصية هذا النبي الكريم الذي أُمِرْنَا بالتأسي به - صلى الله عليه وسلم -.
(1) - الإنسان ذلك المجهول ألكسيس كاريل ص 16 ط دار المعارف مصر