فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 65

قال الحافظ ابن حجر:» ينبغي لكل منصف أنْ يعلم أنَّ تخريج صاحب الصحيح لأي راوٍ كان مقتض لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولاسيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير مَنْ خُرِّج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل مَنْ ذكر فيهما، هذا إذا خُرِّج له في الأصول، فأما إنْ خُرِّج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات مَنْ أُخْرِج له منهم في الضبط وغيره، مع حصول اسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنًا فذلك الطعن مقابل تعديل هذا الإمام فلا يقبل إلا مبيَّن السبب، مُفَسَّرًا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي، وفي ضبطه مطلقًا، أو في ضبطه لخبر بعينه؛ لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح، وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يُخَرَّج عنه في الصحيح: هذا جاز القنطرة - يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه - قال الشيخ أبو الفتح القُشَيري في مختصره: وهكذا نعتقد وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة وبيان شافٍ يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدَّمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما.

قلت: فلا يقبل الطعن في أحد منهم إلا بقادح واضح؛ لأنَّ أسباب الجرح مختلفة، ومدارها على خمسة أشياء = البدعة، أو المخالفة، أو الغلط، أو جهالة الحال، أو دعوى الانقطاع في السند بأنْ يُدَّعى في الراوي أنه كان يُدلِّس أو يُرْسل.

فأما جهالة الحال: فمندفعة عن جميع مَنْ أُخْرج لهم في الصحيح؛ لأنَّ شرط الصحيح أنْ يكون راويه معروفًا بالعدالة، فمن زعم أنَّ أحدًا منهم مجهول فكأنَّه نازع المصنف في دعواه أنَّه معروف، ولا شك أن المدَّعي لمعرفته مقدَّم على مَنْ يدَّعي عدم معرفته ... ، وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أُخْرِج له إنْ وجد مرويًا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط عُلِمَ أنَّ المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإنْ لم يوجد إلاَّ من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح - بحمد الله - من ذلك شيء، وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال: سيء الحفظ، أو له أوهام، أوله مناكير، وغير ذلك من العبارات فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله، إلا أنَّ الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك، وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة؛ فإذا روى الضابط والصدوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت