شيئًا فرواه مَنْ هو أحفظ منه أو أكثرُ عددًا بخلاف ما روى، بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يُخَالِف فيه بكونه منكرًا، وهذا ليس في الصحيح منه إلا نزر يسير قد بُيِّن في الفصل الذي قبله - بحمد الله تعالى -، وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما عُلِمَ من شرطه، ومع ذلك فحكم مَنْ ذُكِرَ من رجاله بتدليس أو إرسال أنْ تسبر أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة؛ فإنْ وُجِدَ التصريح بالسماع فيها اندفع الاعتراض وإلا فلا، وأما البدعة فالموصوف بها = إمَّا أنْ يكون ممن يُكَفَّر بها، أو يُفَسَّق، فالمكفَّر بها لا بد أنْ يكون ذلك التكفير متفقًا عليه من قواعد جميع الأئمة ... ، وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيء البتة، والمفسَّق بها كبدع الخوارج، والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافًا ظاهرًا لكنه مستند إلى تأويل ظاهره سائغ، فقد اختلف أهل السنة في قبول حديث مَنْ هذا سبيله إذا كان معروفًا بالتحرز من الكذب، مشهورًا بالسلامة من خوارم المروءة، موصوفًا بالديانة والعبادة، فقيل: يُقبلُ مطلقًا، وقيل: يُردُّ مطلقًا، والثالث: التفصيل بين أنْ يكون داعيةً أو غير داعية، فيُقبلُ غير الداعية ويُرَدُّ حديث الداعية، وهذا المذهب هو الأعدل، وصارت إليه الطوائف من الأئمة ... ، « [1] .
وقال السيوطي في معرض الموازنة بين الصحيحين:» والصواب الأول - يعني تقديم صحيح البخاري على صحيح مسلم- وعليه الجمهور؛ لأنه أشدُّ اتصالًا، وأتقن رجالًا، وبيان ذلك من وجوه:
أحدها: أنَّ الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضعة وثلاثون رجلًا، المتكلم فيهم بالضعف منهم ثمانون رجلًا، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري ستمائة وعشرون، المتكلم فيهم بالضعف منهم مائة وستون ... ، ثانيها: أنَّ الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلِّم فيه لم يكثر من تخريج أحاديثهم ... ، ثالثها: أنَّ الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلِّم فيهم أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وجالسهم وعرف أحوالهم، واطلع على أحاديثهم وعرف جيدها من غيره ... ، رابعها
(1) هدي الساري ص (384 - 385) ، وينظر: الاقتراح لابن دقيق العيد ص (282 - 283) .